الهجرة.. قلق العرب الدائم

|

حسين يونس

أجزم أنَّ هذا السؤال مازال يُقلق الكثيرين من العرب حول العالم، سؤال لا ينفلت العقل عن التفكير فيه ما بين هجر الشرق إلى الغرب والعكس، والبوصلة هي إيجاد الاستقرار الحقيقي الذي يمنح الإنسان حياة كريمة هانئة كتلك التي نراها في الشاشات والمنصَّات المختلفة، والجميع ينتظر بفارغ الصبر الفرصة التي تمنحهم ذلك الاستقرار بضغطة زر.

بداية، دعوني أستميحكم عذراً لشُحِّ الكتابة، فالأسباب مختلفة ما بين انشغال في العمل والأسرة، وفتور في بذل أي مجهود بسبب انحدار اهتمامات القُرَّاء التي كانت مصدر طاقة أساسية، والتي باتت اليوم مُنعدمة ولا تبعث أي روح لبذل أي مجهود، فأجد نفسي أجلس أمام الشاشة لكتابة مقال ما.. أسأل نفسي (هل بقي هناك مَن يقرأ هذا الكلام الذي أكتبه؟) وبعد هُنيهات.. أجد إبليس يُربِّت على كتفي ويأخذ بخاطري كي أغلق الحاسوب وأذهب لمشاهدة نتفليكس. وأعزو هذا الأمر إلى قِلَّة الجادِّين الذين كانوا سابقاً مصدر إلهامي، وعلى ما يبدو أنه لم يتبقَّ منهم أحد، أو أنهم انصهروا كغيرهم في المحتوى الترفيهي الذي أدمنوه حتى أصبحت خلايا عقولهم لا تقوى على التفكير الواقعي والعميق، ناهيك عن خمول عضلات العين لديهم والتي أصبحت لا تقوى على قراءة عشر كلمات متتالية لمدة ثوانٍ معدودة.

هذا الأمر جعلني لا أكتر سوى لنفسي ومصلحتي الخاصة بعيداً عن مصلحة الأمة والتي كانت منذ زمن ليس بالبعيد تُسيطر على كامل وجداني، وكنت أشارك الناس تجاربي الخاصة من روح بيتي وعائلتي، لكن ما تبيَّن لي بعد ذلك أنه لا أحد يستحق، نعم.. لا أحد يستحق في هذا الكون الطاقة المتبقية في داخلي سوى أولئك الذين يهتمون لشأني في دائرتي الضيقة، ولتذهب هذه الأمة النرجسية بعيداً لتجد مَن يَحلَّ مشكلاتها في منصات التيك توك وغيرها، بالتأكيد سيجدون مَن يزيدهم وهماً وتخديراً حتى يبقوا مَخصييِّن.

لا تعتقدوا أني سأشارككم اليوم أي تجارب خاصة.. أبداً، فقد قررت منذ فترة أنَّ تجاربي الخاصة يجب أن تبقى خاصة لا أشاركها مع أحد، ولكن سأكتب لكم اليوم بعض الحقائق العامة في هذا الشأن والتي سيستفيد منها كل حصيف مازال يَملكُ عقلاً ويعي الأسباب الحقيقية والواقعية لقرارات الهجرة ومآلاتها. وأنصحكم جميعاً أن تتبعوا هذا المنهج في شتى قراراتكم خصوصاً تلك المتعلقة بالهجرة من وإلى الشرق.

اليوم، الجميع يبحث عن الاستقرار المهني والمالي والأسري، والحق يُقال أنَّ كلمة الاستقرار باتت كلمة من الماضي ليس لها وجود. فالذي يبحث عن الاستقرار في أي بقعة على وجه الأرض كالباحث عن الماء في الصحراء القاحلة، الاستقرار كلمة مُرادفة لكلمة سراب، وإذا أردت رأيي في هذه المسألة، فعليك أن تُعوِّد نفسك على تعلُّم فنون الحياة الغير مُستَقرَّة، هذا الشيء الوحيد الذي سيجعلك تحظى بنوع من الحياة السليمة، هو أن تفهم أنَّ الاستقرار لا يمكن نيله في هذا الزمان، والحل هو أن تتعود العيش مع هذه الحقيقة وتُروِّض نفسك وأهلك على ذلك، كالإنسان الذي يعيش في غابة لا تخلُ من الوحوش.

بعد ذلك، عندما تعي هذه المسألة وعياً تاماً، ابدأ في فهم سبب وجودك في الحياة.. اسأل نفسك (هل أستحق أن أكون موجوداً اليوم في هذا الكون؟) وإن كان الجواب نعم، فاسأل نفسك (ما الذي ينقصني حتى أستفيد من وجودي في هذه الحياة؟). تعلَّم أنَّ الأسئلة البسيطة تكون مفيدة جداً لإخراج الأجوبة المهمة من داخلك عندما تكون أسئلة منطقية، ويجب أن نتعلَّم مهارة السؤال والصدق في الجواب كي نتمكَّن من إيجاد خيوط النجاح للإمساك بها.

من عادتي أن أفكِّر بالورقة والقلم، فأجلس أخربش على الورق لأُخرِج الأفكار المتصارعة من رأسي لأراها أمامي في محاولة للسيطرة عليها، وهذه عادة كل البصريين الذين يُفضِّلون تخيُّل الأفكار والمواقف في قالب مرئي، وهؤلاء البصريُّون هم الغالبية العُظمى من البشر، فأبدأ برسم خرائط ذهنية وجداول وخطوط ودوائر حتى أُنقِّي أفكاري وأخرج بما هو مفيد منها، والأهم أن أخرج بأفكار وخطط عملية قابلة للتطبيق. أيضاً أحببت أن أستفيد من خبرتي المهنية في مجال الإدارة وفنون اتخاذ القرار، فكانت النتيجة أن قمت ببناء مصفوفة رائعة أعانتني كثيراً على اتخاذ قرار الهجرة سواء من الشرق إلى الغرب أو العكس في وقت لاحق عندما قررت العودة إلى الشرق، وأطلقت عليها (مصفوفة قرار الهجرة)، واليوم لأول مرة أضعها بين أيديكم لأنها ستساعد الكثيرين على اتخاذ القرار المناسب لهم، فقد لاحظت أنَّ الكثيرين من العرب الذين كانوا حولي في الشرق يجهلون إن كانوا فعلاً بحاجة إلى الهجرة، كما تلقيت بعد الهجرة مئات الرسائل خلال الأعوام الماضية من أناس قد أرهقهم قرار الهجرة ويأملون أن يجدوا الجواب لدي.

الكثير من السائلين كانت أوضاعهم الاجتماعية شبيهة بوضعي في المشرق قبل الهجرة، فهم لا يريدون إضاعة فرصة الهجرة التي قد تنفعهم وتنفع ذريتهم من بعدهم، كما أنهم لا يريدون خسارة ما بنوه وتعبوا عليه في الشرق، لذلك قمت بتصميم هذه المصفوفة على النحو التالي:

الهجرةليست غايةغاية
ليست حاجة• لدي عمل ودخل يكفيني
• لا أحتاج لجنسية ثانية
• أنا سعيد في بلدي
• لا أحب الاغتراب
• الجنسية الأجنبية قوة وهيبة
• أغلب أصدقائي قد هاجروا
• حلمي أن أحيا في الغرب
• أحب السفر والاغتراب
حاجة• اضطهاد ديني وعِرقي
• وطني مُحتَل
• عدم توفر عمل
• بدون جنسية
• لدي مشروع يحتاج إلى الهجرة
• أحتاج لتطوير نفسي وقدراتي
• أحتاج لحرية التفكير والتعبير
• جنسية ثانية أجنبية وقائية
* مصفوفة قرار الهجرة *
  • الهجرة (ليست حاجة وليست غاية): ما دامت الهجرة لا تُشكِّل لك أي هاجس، عليك أن تكون راضياً بوضعك اليوم أينما كنت وممتناً لما أنجزت في حياتك، ولك أن تصرف النظر عنها من دون أن تشعر بأي ندم.
  • الهجرة (ليست حاجة، ولكنها غاية): إن كانت الهجرة لا تُشكِّل لك أي هاجس وأنت لا تحتاجها، عليك أن تنسى أمرها وتكون واقعياً حتى لا تخسر ما أنجزته في حياتك حتى اللحظة.
  • الهجرة (حاجة، ولكنها ليست غاية): إن كانت الهجرة لا تُشكِّل لك أي هاجس، ولكنك بحاجتها لظروف قاسية، عليك أن تكون مُبادراً إليها وتهاجر في أقرب فرصة قبل فوات الأوان.
  • الهجرة (حاجة وغاية): إن كانت الهجرة حاجة لتحقيق غاية، عليك أن تكون مُجتهداً وتبحث عن أفضل مكان في العالم ليعينك على إنجاز غاياتك وطموحك في الحياة والذي يستحق عناء الهجرة بكل تأكيد.

قد يُساورك الآن سؤال مهم: (هل من الممكن ألاَّ أجد نفسي في تلك المصفوفة؟) الجواب: (بالطبع)، فأنا شخصياً لم يكن سهلاً علي في بادئ الأمر إيجاد نفسي في تلك المصفوفة، فقد احتجت إلى الكثير من التفكير والمراجعة إلى أن استوعبت تماماً أين أنا في هذه الحياة وما الذي ينقصني، وقد شعرت أني مشوش وغير قادر على إيجاد نفسي في المكان الصحيح من المصفوفة، لذلك قمت بالاطلاع على (هرم ماسلو) للاحتياجات الإنسانية، وعرضت نفسي عليه كي أعلم أين أنا منه الآن، وما الذي أنجزته في حياتي وماذا بقي لي كي أنجز من درجات هرم الاحتياجات الإنسانية لحياة كريمة، وبعدها تمكنت من أن أضع نفسي في إحدى الخانات الأربع من المصفوفة بكل يسر وسهولة.

لمَن لا يعرف هرم ماسلو، هو نظرية وضعها عالم النفس الأمريكي «أبراهام ماسلو» عام ١٩٤٣م والتي تناقش ترتيب حاجات الإنسان في الحياة من الأدنى إلى الأعلى: (الاحتياجات الفسيولوجية، احتياجات الأمان، الاحتياجات الاجتماعية، الحاجة للتقدير، الحاجة لتحقيق الذات). طبعاً قد لا ينطبق ترتيب أولويات هذه النظرية على كل شعوب الأرض، ولكنها نفعتني كثيراً في إدراك ما أنجزته وما كان ينقصني.

يبدأ هرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية من الأدنى إلى الأعلى كما يلي:

  • الاحتياجات الفسيولوجية: هي الاحتياجات الأساسية اللازمة للحفاظ على وجود الفرد على سطح الحياة مثل: (التنفس، الطعام، الماء، الجنس، النوم، التوازن، التَبرُّز، إلخ).
  • احتياجات الأمان: بعد إشباع الحاجات الفسيولوجية، تظهر الحاجة إلى: (سلامة الجسد، الأمن الوظيفي، أمن الموارد، سلامة الأخلاق، الأمن الأسري، الأمن الصحي، أمن الممتلكات، إلخ).
  • الاحتياجات الاجتماعية: بعد إشباع الحاجات الفسيولوجية والأمان، تظهر الطبقة الثالثة وهي الاحتياجات الاجتماعية، وتشمل: (العلاقات العاطفية، العلاقات الأسرية، اكتساب الأصدقاء، إلخ).
  • الحاجة للتقدير: هنا يتم التركيز على حاجات الفرد في تحقيق المكانة الاجتماعية المرموقة والشعور باحترام الآخرين له والإحساس بالثقة والقوة مثل: (تقدير الذات، الثقة بالنفس، الإنجازات، احترام الأخرين، الاحترام من الأخرين> إلخ).
  • الحاجة لتحقيق الذات: وفيها يحاول الفرد تحقيق ذاته من خلال تعظيم استخدام قدراته ومهاراته الحالية والمحتملة لتحقيق أكبر قدر ممكن من الإنجازات مثل: (الفضيلة، الإبداعية، التلقائية، حل المشكلات، عدم التحيُّز، قبول الحقائق، إلخ).

لتسهيل فهم ما سبق، إذا كنت – على سبيل المثال – قد حققت الدرجة الثانية من الهرم، لكنك تفتقر للدرجة الثالثة (الاحتياجات الاجتماعية) كالزوجة والصداقات والعلاقات الاجتماعية، فقد تكون الهجرة الحل لتحقيق ذلك، جاعلاً نُصب عينيك رأس الهرم الذي يُمثِّل رؤيتك في الحياة، فكل ذلك يندرج تحت (الحاجة) وليس (الغاية).

أمر الهجرة بالنسبة لي كان بحثاً علمياً استخدمت فيه الكثير من النظريات التي تعلمتها خلال مسيرتي العلمية والمهنية، وكان اختياراً مهماً لابد ألاَّ أخطئ فيه، فلم يكن أمراً عبثياً أفعله كما يفعله الكثيرون، فالأمر تَطلَّب أن أكون على دراية تامة بتفاصيل حياتي كي أُحسن الاختيار، فلم أكن أريد أن أسلك طريق الهجرة متأثراً بمن سبقوني، فما حدث مع غيري في المهجر ليس بالضرورة أن يحدث معي، سواء كان نجاحاً أو إخفاقاً، فكلٌ له وضعه و مبادؤه وعقله ونظرته المختلفة للأمور، فلم أكن أنوي أن أحيا حلم غيري أو حياتهم التي قد لا تناسب مقاساتي الاجتماعية وأهدافي المستقبلية فتضيق بي الدنيا، ولم يتسنى لي هذا إلاَّ عندما أدركت ما الذي أريده حقاً في هذه الدنيا وما هي رؤيتي التي أنوي تحقيقها في هذه الحياة، وهل الهجرة إلى الغرب تدعم تحقيق تلك الرؤية أم تدمرها؟ وماذا عن العودة إلى الشرق؟ هل سيكون قراراً أندم عليه أم أنه أفضل قرار اتخذته في حياتي؟

إن لم تمتلك رؤية لحياتك وخطة واضحة لما تنوي القيام به، ستضطر اليوم إلى فعل ذلك وكل ما تقدَّم في هذا المقال سيُساعدك من دون شك، ووقتها لن يجد النجاح بُداً سوى أن يكون حليفك، فالنجاح كالطير وسط السماء لا يهبط عبثاً من علوه سوى لمن كان جاهزاً لاستقباله، عدا عن ذلك.. سيبقى في السماء يُحلق بعيداً صعب المنال.

والآن، لم يتبق لك سوى أن تُجيب على كل ما سلف كي تُحددَّ وجهتك، وبعدها قد تبدأ البحث عن البلد الذي يناسبك متجاوزاً الحيرة والتردد إلى الأبد، أو أن تبقى في مكانك شاكراً.

أضف تعليق