تخطى إلى المحتوى

هل يُجبرنا الله على الهداية؟

لو سألتني ما هي أكثر مُعضلة تواجه العالم الإسلامي؟ لأجبت.. الاعتقاد بالجبر والإكراه في شتى مناحي الحياة، وأنَّ الله سبحانه وتعالى يُجبرنا على اختياراتنا وأنه ليس لنا من الأمر شيء! وبالمناسبة، هذه قضية قديمة حديثة، لم تسلم منها أمة من أمم الإسلام على مر العصور إلاَّ القليل مِمَن اختاروا أن يتمتعوا بفهم القرآن الكريم لغة وفقهاً.

أرسلت لي متابعة سؤالاً تقول فيه..

(لماذا أمر الله الرحيم الخِضر عليه السلام – في الحادثة المذكورة في القرآن – بقتل طفل؟ ألم تكن هناك طريقة للتربية أفضل من قتل الطفل؟! ألم يكن أولى أن يأخذ هذا الطفل فرصته في الحياة؟ لماذا لم يهدهِ الله بدلاً من قتله؟ في الحقيقة قضاء الله بقتل الطفل على يد عَالِم.. يَقبِض القلب!)

بداية، أعدكم بأن أستخدم لغة سهلة بعيدة كل البعد عن الفلسفة والتعقيد حتى تتمكنوا جميعاً من فهم هذه المقالة المهمة.

عودة إلى سؤال الأخت، دعونا لا نغفل عن حقيقة أنَّ هذا الاستغراب قد شاركها فيه موسى عليه السلام عندما استنكر على الخِضر هذه الفعلة فقال: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا}..

لكن سرعان مازال استغرابه عندما أجابه الخِضر: {وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا}، وبما أنَّ موسى عليه السلام كان يفهم مقادير الله وسُننه التي خلقها وأنَّ الإنسان حرٌ في اختيار الإيمان من الكُفر، فلم يُكثر في السؤال مثل ما حدث مع الأخت أعلاه، وهنا يكمن مربط الفرس.

لماذا يحار المسلمون في مثل هذه المواقف؟ لأنهم يعتقدون بأنَّ الله سبحانه وتعالى – إن شاء – يُجبر الناس على الإيمان، أو لنقل.. أنه سبحانه هو مَن يختار لهم أن يهتدوا لقوله تعالى {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} وهنا تكمن إشكالية أخرى في فهم النص القرآني.

الهداية في القرآن معناها إبانة طريق الحق والرشاد وإيضاح طرق الوصول إليه وبعد ذلك.. ترك الخيار للناس بأن يسلكوا هذا الطريق أو يُعرضوا عنه، وهذا الفهم جاء واضحاً عندما قال تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} أي بيَّنا لهم طريق الحق من الضلال وأوضحنا لهم طريق الرشاد من الفساد وتركنا الأمر لهم كي يختاروا لأنَّ الأمر هنا اختبار وليس إكراه وإجبار، فالله يضع الخيار أمام الإنسان ليختار ما يشاء، بَيْدَ أنَّ ثمود آثروا طريقاً آخر غير الذي بيَّنه الله لهم فاختاروا الضلال، فقال سبحانه في نفس الآية: {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ} أي استحبوا طريق الضلال على طريق الرشاد، وهكذا هي سُنَّة الله في الكون، يترك الخيار لعبده ولا يُجبره على شيء، وقد ذكر الله ذلك جلياً في قوله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} أي بيَّنا له طريق الخير وطريق الشر وله حرية الاختيار وتَحمُّل النتيجة.

ما علاقة هذا المثال بطفل صغير لم يبلغ الحُلم، يُقتَل على يد رجل صالح مثل «الخِضر» وهو صغير لم يملك من أمره شيء؟

الجواب: الله سبحانه وتعالى يعلم ما كان (الماضي) وما هو كائن (الحاضر) وما سيكون (المستقبل) ويعلم أيضاً ما لم يكن (العدم) لو كان كيف سيكون، فهو يعلم كل شيء سبحانه ولا يخفى عنه شيء في أي زمان أو مكان، وبناءً عليه كان يعلم مستقبل ذلك الطفل وخياراته التي سيختارها، والمعاناة التي سيعانيها أبويه جرَّاء تلك الخيارات السيئة، فأراد الله أن يُريحهما من ذلك العناء ويُبدلهما خيراً منه لأنهما كانا من أهل الإيمان والصلاح.

أعيد مرة أخرى، موسى عليه السلام لم يستفسر من الخِضر ويـُكثر الجدال حول قتل الطفل عندما علم سبب قتله، لأنه يعلم تمام العلم أنَّ الله لن يأمر بظلم على الأرض، وأنَّ هذا الطفل قد لاقى جزاء اختياراته المستقبلية التي سيختارها بمحض إرادته.

لو كان الله سبحانه وتعالى يُجبر الناس على الهداية، لكان أولى أن يُجبر «أبو طالب» عمّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان يُدافع عن ابن أخيه ورسالته في أرجاء مكة، فقد أرشده الله إلى الهداية والحق من خلال نبيه الكريم، لكنه اختار طريقاً آخر غير ذلك الذي يوصل إلى الجنَّة، فآثر الموت على دين آبائه وأجداده.

يسأل سائل: لماذا لم يأمر الله بقتل «هتلر» في مصغره حتى يُريح العالم من جرائمه التي اقترفها عندما كَبُر؟

الجواب: لله الحكمة البالغة وإن لم نعلمها، ويجب علينا كمسلمين أن نكون على يقين بحكمته سبحانه في كل ما يفعل وما يريد، وأنه لا يُقدِّر على الأرض إلاَّ الخير حتى وإن كان في ظاهره شر، فإن كان قتل الطفل أو الإبقاء على هتلر أمور في ظاهرها شر، لا شك أنَّ مآلها خير محض، وكلها أمور استحقها الناس في مكانهم وزمانهم كما قال سبحانه {ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ }، والأهم من ذلك كله أنه سبحانه {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} وهو حرٌ بكل تصرفاته لأنه هو الله القادر الحكيم العادل الذي يعلم ما لا نعلم من خفايا الأمور.

كلمة أخيرة، في قوله تعالى {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} المقصود هنا في (مَن يشاء) ليس الله.. إنما الإنسان، بمعنى لو أراد الإنسان الهداية والصلاح في حياته.. فحتماً سيهديه الله لذلك وليس العكس، فالمبادرة تكون من الإنسان وليست من الله، وقد نصَّ عليه صراحة الحديث القدسي: ((ومَن تقرَّبَ إليَّ شبراً تقربْتُ منه ذراعاً، ومَن تقرَّبَ إليَّ ذراعاً تقربتُ منه باعًا، ومَن أتاني يمشي أتيتُه هرولة))، فالخطوة الأولى تكون من الإنسان وبعدها يُبادر الله بكل خير، لذلك وجب على الإنسان أن يُري الله منه خيراً حتى يحصل على هدايته وتوفيقه وليس العكس.

close

مرحباً 👋 سعيد بوجودك هنا

قم بالتسجيل ليصلك أفضل محتوى على بريدك الخاص

1 أفكار بشأن “هل يُجبرنا الله على الهداية؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.