تخطى إلى المحتوى

ميلاد إسرائيل الكبرى

قد تكون على علم عزيزي القارئ أو قد لا تكون .. أني أحب فلسطين حباً فطرياً يزداد شيئاً فشيئاً كلما تقدم بي العمر، أحبها كما أحَبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم موطنه مكة المكرمة، الذي قال لها يوم هاجر منها:

(( ما أطيبك من بلد وأحبك إليّ، و لولا أنَّ قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك )) صحيح الجامع للألباني 5536

فالإغتراب في غياهب الأرض وبين أصقاع الثقافات المختلفة، قد يكون ممتعاً في أوله .. لكنه مُرهق بعد ذلك، فليس كل مكان تطؤه تكون محل ترحيب فيه، لأنه إذا ما أردت أن تعيش بآدميتك الطبيعية كإنسان .. يبدأ النفور منك والتذكير بأنك ضيف وغريب .. وأنه يجب عليك إحترام البلد الذي استضافك، وهذا الأمر يجعل ارتباطك بوطنك الأصلي أقوى فأقوى .. حتى لو كان هذا الوطن جحيماً، أو لم تراه في حياتك قط .. فيبقى عزاء النفس أنه وطنك !!

طبعاً مكة المكرمة أفضل وأطيب من فلسطين يقيناً، ولكن كلاهما مع الأسف درَّتان لا يجوز لي الإستطيان في أيٍّ منهما، فاحتسبت أجر هذه الغربة وألمها على الله، وأسأله سبحانه أن يعوضني بهذا الإحتساب بجنة المأوى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

المسألة ليست مسألة أرض .. على الإطلاق، ولكنها مسألة إنسان، فالوطن لا قيمة له إن لم يكن لإقامة الإنسان فيه والإستفادة منه والإنتفاع به، وهذه نقطة غاية في الأهمية قد يغفل عنها الكثيرون بين مُغالٍ في حب الوطن دون إدراك للغاية من وراء هذا الحب، وبين مُفرط لا يأبه إلى شيء، فالوطن إن لم يكن لشعبه الذي ينتمي إليه .. فليس له أي قيمة، وهذا مبدأ كوني جعله الله سُنَّة الحياة، فالأرض للبشر ليَخلُفوا الله فيها، والأنبياء والرسل بعثهم الله سبحانه وتعالى لهداية البشر، والأماكن المقدسة ودور العبادة ما هي إلاَّ وسيلة لتسهيل عبادة الإنسان لربه، وكل شيء من وطن وحجر وشجر .. سخَّره الله لخدمة البشر ية واستقرارهم حتى يعبدوه ويوحدوه ويشكروه.

فالوطن وسيلة وليس غاية، والغاية عبادة الله ونيل رضاه، ويوم القيامة تنهار الأوطان والعواصم المقدسة ويبقى الإنسان لينتقل للقاء الرحمن، فالإنسان أغلى عند الله من كل هذه الأوطان ومن كل الأماكن المقدسة مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم يوم خاطب الكعبة المشرفة فقال:

(( مرحباً بك من بيت، ما أعظمك، وأعظم حرمتك، ولَلمؤمن أعظم حرمة عند الله منك، إن الله حرَّم منك واحدة، وحرَّم من المؤمن ثلاثاً: دمه، وماله، وأن يُظن به ظن السوء )) السلسلة الصحيحة للألباني 3420

وهذا الحديث يُستدل به على أهمية الإنسان وليس الأوطان حتى وإن كانت مقدسة، والأولى بالمسلمين الغيرة على دماء إخوانهم التي تسيل في فلسطين أكثر من غيرتهم على المسجد الأقصى من الإنهيار، فوالله لدماؤهم أغلى وأزكى عند الله من كل حجر وُضع في الأقصى، وإن هُدم المسجد الأقصى .. لا يهم .. فهو حجارة ونحن لا نعبد الحجارة .. بل نعبد رب الحجارة الذي خلقها، ويمكن إعادة بناء المسجد في أي وقت، بينما عندما تُسال دماء إخواننا الغالية هناك .. فإنها تذهب إلى بارئها ولا تعود، وهذا مما عمت به البلوى من ضياع أولويات المسلمين بين أهمية الروح والحجر.

اليوم .. ككل يوم ينقضي على هذه الأرض، يزداد الإهمال والتفريط في فلسطين، لتتآكل أراضيها التاريخية لصالح العدو المحتل، ففي سابقة تاريخية لم تشهد القضية مثيلاً لها – بل لم تحلم بها إسرائيل – اتجهت سلطة الإحتلال العربية المتمثلة بزمرة « عباس شر الناس » إلى الأمم المتحدة – من دون تفويض شعبي – للمطالبة رسمياً بالتنازل عن 78% من أراضي فلسطين التاريخية لصالح بني صهيون .. ليعلن بذلك ميلاد « إسرائيل الكبرى » والقضاء على آخر حق من حقوق الشعب الفلسطيني في العودة إلى أراضيهم !!

فقد صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة في إجتماعها السابع والستين في 29 نوفمبر 2012م على ترقية مرتبة فلسطين من ( كيان غير عضو ) إلى ( دولة غير عضو )، والمفاجأة أنَّ هذا التاريخ هو نفس اليوم الذي قررت فيه الأمم المتحدة عام 1947م الإعتراف بوجود دولة يهودية على أرض فلسطين بموجب قرار رقم 181، فلله ما أخذ ولله ما أعطى.

الحقيقة المرة والتي يجب أن يفهمها الشعب الفلسطيني المغدور .. أنه بموجب هذا الإعتراف الأممي .. فقد إنتهى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى ما شاء الله، الأمر الذي سیُحول الفلسطینیين خارج حدود الدولة إلى مغتربین مقیمین في دول شقیقة أو صدیقة، ویحملون جوازات سفر ( فلسطینیة ) دون أرض أو وطن حقيقي، وبشكل تلقائي تسقط ولایة ( الأونروا – وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ) وصفة اللاجيء عنھم، وھو ما تطمح إلیه إسرائیل للتخلص من حق العودة، يعني لم يكتفي عباس بإضاعة فلسطين .. وأيضاً اجتهد في تدمير حياة أكثر من ستة ملايين لاجيء فلسطيني وضَعَ حياتهم على المحك، وهذه إشارة صريحة منه بإسقاط حق العودة وإجبارهم على القبول بأي تعويض مالي وبقاؤهم في مخيمات الموت العفنة، ناهيك عن تحول الصراع مع الإحتلال من صراع مقدس لشعب وأرض لإنھاء الإحتلال .. إلى صراع على الحدود بین دولتین .. واحدة حقيقية والأخرى وهمية، كما سیمھد هذا الإعلان الأحمق تھدیداً مباشراً لأھلنا في أراضي عام ١٩٤٨م وسیكون بمثابة نقطة الإنطلاق لتطبیق خطة إسرائیل بترحیلھم وإبقاء كیانھم دولة للیھود وسیكون مصیر القدس في مھب الریح.

مأساة حقيقية .. ولأربط الآن ما بين مقدمة المقالة حول أهمية الإنسان على الأرض وما بين قرار ميلاد إسرائيل الكبرى أقول .. ما قيمة هذه الدولة الوهمية لشعب يحمل جنسيتها ولا يستطيع أن يُقيم فيها؟ أي إنجاز هذا؟ ألهذه الدرجة وصلت الحماقة والخيانة؟ الفلسطينيون في الشوارع .. بماذا يحتفلون؟ متى سيحضر العقل والتاريخ بيننا ليقود إنفعالاتنا وقراراتنا؟ لماذا ذاكرتنا قصيرة إلى هذا الحد؟

لكن هل تعلم عزيزي القارئ أين الطامة الكبرى في كل هذا الأمر؟ أنَّ حركة المقاومة الإسلامية حماس قد باركت هذا القرار !! وليتهم صمتو ولم يتفوهوا بكلمة .. على الأقل وفاءاً لدماء شهداء الأيام الثمانية والتي لم تبرد بعد، وهذا يُعطيك إنطباعاً لما آلت إليه أحول هذه الحركة من تطور وتحول.

هل إسرائيل إنتصرت؟ نعم .. وبلا أدنى شك، راجع المشهد العام وما أنجزه الكيان الصهيوني على أرض الواقع وستعي ما أقول:

  1. نقل القضية الفلسطينية عبر أكثر من 60 عاماً من صراع ( إسلامي – صهيوني ) إلى صراع ( عربي – إسرائيلي ) إلى صراع ( فلسطيني – إسرائيلي ) إلى صراع ( حمساوي – إسرائيلي ).
  2. تحويل الإهتمام العربي من فلسطين إلى غزة، إذ أصبح العرب يهتفون باسم غزة ولا أحد يهتف باسم فلسطين، فباتت فلسطين محصورة في غزة.
  3. إضاعة الهوية والقومية الفلسطينية، فإذا سألت أحد سكان غزة من أين أنت؟ أجاب: أنا غزاوي .. ولا يقول أنا فلسطيني، وإذا سألت أحد سكان الضفة الغربية من أين أنت؟ أجاب: أنا ضَفاوي .. ولا يقول أنا فلسطيني.
  4. نقل حركات المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس من حركة مقاومة إلى كيان سياسي، واليوم أصبح لا فضل لحماس على فتح، وكلاهما في الأهداف متساوون ولا يمكن التفريق بينهم إلاَّ في التوقيت، ففتح تفاوض إسرائيل في النهار وحماس تفاوض إسرائيل في الليل !
  5. تحصين حدود الدولة الإسرائيلية بشكل غير مسبوق، إذ أصبح حزب الله حامي البوابة الشمالية لإسرائيل، وحماس حامية البوابة الجنوبية بموجب آخر إتفاق هدنة وقع مع إسرائيل، ودول الطوق حامية البوابات الأخرى.
  6. أصبحت إسرائيل اليوم دولة كاملة الإستقلال بموجب آخر ترقية لفلسطين يوم 29 نوفمر 2012م من ( كيان غير عضو ) إلى ( دولة غير عضو )، كما بات بمقدورها إعلان نفسها دولة يهودية ولا يحق لأي إنسان غير يهودي حمل جنسيتها والإقامة على أرضها، والأمر الذي سيهدد عرب الـ 48 بالهجرة القسرية من مدنهم في إسرائيل، كما سيُسقط حق العودة للاجئين الفلسطينيين كما ذكرت آنفاً.
  7. إنشاء العداء والكراهيه للشعب الفلسطيني من خلال إصدار إعلانات بغيضة .. تارة بإقامة دولة فلسطينية بديلة في الأردن، وتارة بإقامة دولة فلسطينية في سيناء، مما جعل مواطني تلك دول ينقمون على هذا اللاجئ الفلسطيني ويتمنون زواله بأي طريقة.

طبعاً هذا كله غيض من فيض .. والقادم أسوأ وأسود، وفي الغد القريب سنشهد عواقب هذه القرارات والتحولات الإيدلوجية داخل الحركات الفلسطينية، كما سنشهد تحول رهيب في مواثيق وأهداف هذه الحركات والتي كان يعوَّل عليها الخير الكثير .. وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.

وحتى ذلك الحين، الذي أسأل الله سبحانه وتعالى أن يقبضني قبل أن أشهد ذلاً لأمتنا ولقضيتنا أكثر من ذلك، سأبقى مهاجراً كما كنت دائماً، أتنقل في ملكوت الله بين الحين والآخر باحثاً عن سراب اسمه ( الوطن ) .. قد ألقاه .. وعلى الأغلب أني لن ألقاه، فجعلت وطني في بيتي أتنقل فيه حراً من دون إذن أو تصريح، وعلى حمالة مفاتيحي ( المدالية ) خارطة فلسطين وبجانبها حنظلة ينظر ويرتقب، أواسي بها نفسي وأهلي إلى أن يواسينا الله برحمته .. ودمتم بخير.


* أنصح بمشاهدة تقرير « د. إبراهيم حمّامي » مدير مركز الشؤون الفلسطينية في بريطانيا، والذي يتحدث فيه حول القرار الكارثي بترقية عضوية فلسطين في الأمم المتحدة.

close

مرحباً 👋 سعيد بوجودك هنا

قم بالتسجيل ليصلك أفضل محتوى على بريدك الخاص

4 أفكار بشأن “ميلاد إسرائيل الكبرى”

  1. ولدي الحبيب

    الموضوع أكثر الرائع تسلم ايدك .

    سيصل انشالله للشخص الذي رقص في الشارع فرحا وماذا يفعل

    البقية بعد توقيع أكثر من اتفاقيه بحقنا وللآن…

    حسبي الله ونعم الوكيل فيهم ومن ساعدهم.

    فلسطين ستبقى في قلوبنا وعقولنا وفي أيدينا معلقه

    بجانب مفتاح السياره والبيت . كان تعبيرك قاسي أبكاني

    ولكن كنت صادقا ” لايغير الله ما في قوم حتى يغيروا ما في

    أنفسهم”أتمنى أن يأتي اليوم الذي لايمنع فيه الجهاد في

    سبيل الله لافي سبيل الكراسي.

  2. لا فض فوك أخي حسين. لقد غطيت الماضي والحاضر والمستقبل بنظرة قل من يفهمها في عصرنا الحالي فقد انجرف الناس وراء تيارات شتى, منهم بحسن نية ومنهم بعاطفة ومنهم بجهل فالله المستعان. أنا أيضا عجبت لماذا يحتفل الناس وأين هو هذا الفوز العظيم؟
    مقال رائع وفيه فوائد جمة أسأل المولى أن يجعله في ميزان حسناتك وسأساعد بنشره حتى تعم الفائدة إن شاء المولى جل في علاه.

    1. لا أستطيع أن أصف مدى تأثري عندما قرأت:

      “فجعلت وطني في بيتي أتنقل فيه حراً من دون إذن أو تصريح، وعلى حمالة مفاتيحي ( المدالية ) خارطة فلسطين وبجانبها حنظلة ينظر ويرتقب، أواسي بها نفسي وأهلي إلى أن يواسينا الله برحمته”

      أسأل المولى الكريم أن يواسينا برحمته كما شاء في الدنيا والآخرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *