تخطى إلى المحتوى

مبادئ الأمم

لماذا هنالك أمم تنهض وأخرى تسقط؟ لماذا هنالك أمم وحَّدتها ثوراتها وأخرى مزقتها؟ لماذا بعض الأمم أفضل لها أن تبقى على ما هي عليه بينما أخرى أفضل لها أن تمضي قدماً؟ هل الإيمان بمعتقد ما .. كالديانات السماوية أو الديمقراطية أو الليبرالية أو العّلمانية وحده كفيل بنهضة الأمم؟ هل ديكتاتورية الحاكم أمر واقع يأتي من تلقاء نفسه أم أنَّ الشعب هو من يصنعه؟ لماذا هنالك شعوب تحولت إلى مقابر دهرية تدفن داخلها سُبُل النهضة؟

أمر ما لابد من الوقوف عليه في ظل ما يُعانيه الوطن العربي من إنعدام الإستقرار، والقتل والتمزيق في الليل والنهار.

لو سلَّمنا جدلاً بأن العّلمانية هي نوع من أنواع النهضة التي قد تضمن استقرار الشعوب، هل يمكن لهذه المبادئ أن تُبنى على قواعد رافضة لها؟ تخيل العَلمانية بناية من عشر طوابق بُنيت على قواعد رافضة لها .. ماذا سيحدث؟ سينهار المبنى بمن فيه. كذلك لو تخيلنا الشريعة الإسلامية بناية من عشر طوابق قد بُنيت على أساس رافض لها أيضاً .. أساس يرفض الإنصياع لأوامر الله وتحكيم كتابه وتنفيذ أوامره .. ماذا سيحدث؟ سينهار المبنى بالتأكيد حتى لو فُرض بالقوة وثَقُل وزنه وطالت قامته .. سينهار عاجلاً أم آجلاً.

وهنا أتساءل .. أين الخلل في سيناريو البناء؟ هل كان في العّلمانية أو في الشريعة الإسلامية؟ أم كان في الأساس الرافض لها رغم إدعاءه بالإيمان بها واحترامها؟ هل من العدل قذف المُعتقدات واتهامها بالعقم لأنها انهارت في بلد ما؟ أم نلوم الشعب الذي لم يُطبق هذه المبادئ ولم يعطها فرصة لتثبت مدى نجاعتها؟

شعوب تدعي أنها ليبرالية أو ديمقراطية، وهي تمارس أبشع أنواع الديكتاتورية في حياتها اليومية، وأخرى تدعي أنها إسلامية وهي تمارس الكفر والشرك والإلحاد كلما أرادت أن تتمسك بالنهضة .. شيء مُستفز !!

كيف يمكن لأمة أن تطالب بالحرية وتموت من أجلها وهي كارهة لها؟!
كيف يمكن لشعب أن يثور من أجل العدالة وهو رافض لها ولا يُقيمها في أتفه أموره اليومية؟!

رغم أهمية الحرية والمعتقدات الراقية كالشريعة الإسلامية، إلاَّ أنها ليس لها أي قيمة من دون بيئة صالحة لقبولها وتفعيلها، وهنا أسلط الضوء على ( مبادئ الأمم ) التي تُبنى فوقها معتقدات الشعوب، والتي لا تقل أهمية عن المعتقدات نفسها .. بل قد تفوقها أهمية.

كل ما يحدث اليوم أو قد يحدث غداً، لن يزيد الأمة سوى ضعفاً وانتكاساً، لأننا لا نُحكم العقل والمنطق في فهم أسباب الأزمة الحقيقية، ظلم الحاكم وفساد نظامه جزء من المشكلة وليس المشكلة نفسها، والمواطن الذي يقبل بذلك في بيته وبيئة عمله لا يقل ظلماً وفساداً عن الحاكم ونظامه، بل سيفعل أبشع من الحاكم نفسه لو جلس مكانه. من المهم أن ننتبه لأزمة الأمة من أكثر من جهة، ولا نرمي بكل أعبائنا على الحاكم فقط كما رمينا بكل أسباب فشلنا على إسرائيل والإمبريالية الغربية، وهم بلا شك جزء من الأزمة التي نعاني منها اليوم، ولكنهم ليسوا الأزمة كلها، وأنا على قناعة تامة من أنه لا يمكن لأي أمة أخرى على وجه الأرض أن تعتلي ظهر العرب .. إن لم يُقرر العرب – طوعاً من أنفسهم – الإنحناء لها، بمعنى أنه لا يمكن لإسرائيل أن تصعد على ظهر العرب وتصنع مجدها إن لم يسمح لها العرب بذلك، كما أنه لا يمكن للحاكم الظالم الفاجر أن يعتلي ظهورنا إن لم نكن بيئة خصبة لانتشار هذا الظلم، وقد جاء في الأثر: (( كما تكونوا يُولَّى عليكم )) [1] يعني: أن الله سبحانه وتعالى يُولي على الناس على حسب حالهم، وهذا الأثر وإن لم يكن صحيحاً مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ لكنه صحيح المعنى لموافقته قول الله تعالى { وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } الأنعام 129، أي: نجعل الظالم فوق الظالم بسبب ما فعلوا من المعاصي والذنوب، فإذا ظلمت الرعية سُلطت عليها الرعاة، وإذا صلحت الرعية صلح الرعاة، وكذلك بالعكس: إذا صلح الراعي صلحت الرعية.

للتأكيد على قضية المبادئ، نجد حقيقة أخرى مثل فلسطين وغيرها، والتي من الممكن جداً إستعادتها إذا شاء العرب ذلك حقاً، كما كان حال صلاح الدين الأيوبي ومن معه في ذلك الوقت، فالأمر ليس صعباً والقتال ليس مستحيلاً، وإزالة إسرائيل وهي متمركزة في نقطة واحدة واضحة، أهون بكثير من إزالة نظام بن علي أو مبارك أو القذافي وهم بين أظهرنا وجيوشهم وكلابهم قائمة على رؤوسنا وفوق أكتافنا، والأهم من ذلك كله .. أنَّ العرب أعطوا أرواحهم ثمناً للثورات، فكيف بهم لو أرادوا أن يعطوها ثمناً لفلسطين؟

مبادئ وعقول .. قناعات وأصول .. معركتنا الحقيقة من أجل النهوض والوصول، وأجزم بأنه لا يوجد طريق آخر.

دمتم بخير.


[1] ورد هذا الحديث ضعيفاً عند الألباني وغيره في « السلسلة الضعيفة » 320، و « ضعيف الجامع » 4275، إلاَّ أنه يُستأنس به لصحة معناه وموافقته لفهم القرآن الكريم.

close

مرحباً 👋 سعيد بوجودك هنا

قم بالتسجيل ليصلك أفضل محتوى على بريدك الخاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *