تخطى إلى المحتوى

لماذا نفشل؟

لماذا نفشل؟

عندما بدأت في عام ٢٠٠٥م بمزاولة إدارة المشاريع (Project Management)، تعلمت منها نوعين مهمين من فنون الإدارة، إدارة التوقعات (Expectation Management) وإدارة المخاطر (Risk Management)، ويمكنني الجزم – بعد مضي أكثر من ١٠ سنوات على تلك المزاولة – أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينجح أي مشروع من دونهما، فهما من الأدوات التي تحمي المشروع من الفشل وتساعد في إستمرار سيره قدماً مع إدراك كامل وشامل – قدر المستطاع – لما يمكن أن يعيق تقدمه، والنهاية المتوقعة له من دون مفاجئات.

هاتان المهارتان غيَّرتا حياتي إلى الأفضل، فقد كان منظوري لكثير من الأمور قبلهما مختلف، وكنت – على سبيل المثال – من أولئك الذين يرون في ذكر ما هو سيء … تشاؤم، وأدركت بعدها أنَّ هذا النوع من التفكير غاية في السخف، بل قد يكون السبب الرئيس وراء الكثير من الفشل في حياتنا، ولا يمكنني تصور أنه كان بمقدوري النجاح في كندا من دون اللجوء لهما وقت التخطيط إلى الهجرة.

لمزيد من التفصيل حول هاتين المهارتين:

١) إدارة التوقعات:

وفكرتها تدور حول إدارة توقعات أصحاب المصلحة (Stakeholder) الذين أطلقوا المشروع بُغية إنجاز فكرة معينة في أذهانهم ينوون تحقيقها، ووظيفتي كمدير مشروع أن أفهم تلك التوقعات وأعمل على تنفيذها بحيث يتم تنفيذ المشروع وفقاً لما يتم الإتفاق عليه في العقد حرفاً بحرف من دون زيادة أو نقصان، فإذا كانت توقعاتهم أن تكون مخرجات المشروع صاروخ فضائي، لا يمكنني بأي حال من الأحوال إخراج طائرة هوائية بدلاً عنه، فالمشروع بهذه الطريقة سيكون قد فشل حتى لو إكتمل، فالنتيجة كانت مخالفة لتوقعاتهم (أي أصحاب المصلحة) لأني لم أتمكن من إنجاز ما طلبوه! وغالباً ما يكون سوء التخطيط هو السبب وراء هذا الإخفاق، فكان من المفترض أن أبين لهم خلال فترة التخطيط إن كان بالإمكان تلبية توقعاتهم أم لا، وإذا لم يكن بالإمكان تلبية تلك التوقعات فما السبب؟ هل ميزانية المشروع غير كافية؟ أم نقص الخبرة هو العلة التي قادت بالمشروع إلى الفشل؟ أم لعل الوقت لم يكن كافياً؟ وهكذا، وبعدما أقوم بهذا التشريح والتبيان حول قدرات المشروع الحقيقية وما يمكن إنجازه من خلالها، أترك الخيار لهم ليقرروا إما الإستمرار بالمشروع كما هو بحيث يتم تعديل النتيجة المتوقعة من صاروخ فضائي إلى طائرة هوائية، أو يتم تزويد المشروع بكل ما يلزم ليتم إخراج ذلك الصاروخ الفضائي، أو قد يتم إلغاؤه، وحتى يحدث هذا الأمر عليَّ أن أقوم بعملي بكل صدق واحترافية كما هو متوقع مني كمدير للمشروع.

٢) إدارة المخاطر:

فكرتها تدور حول توقع أسوأ الأشياء التي يمكن أن تحدث خلال تنفيذ المشروع، وبالتالي يتم وضع خطط إحترازية لتلافي تلك المخاطر أو التعامل معها لحظة حدوثها، وهذه بحد ذاتها مهارة غاية في الأهمية والروعة. ففي لحظة الإجتماع مع أعضاء فريق المشروع، تحدث جلسات عصف ذهني جماعية يتم خلالها تدوين كل المخاطر المتوقعة، بحيث يكون الجميع كما يقال بالعامية (على نور) وقت المضي قدماً والبدء بالتنفيذ، ولا نكتفي فقط بذكر تلك المخاطر أو المصائب التي من الممكن أن تحلَّ على رأسنا، بل يتم التخطيط لإحتواء تلك المخاطر ويتم تفصيل الكيفية التي سيتم من خلالها ذلك الإحتواء ويتم أيضاً تعيين شخص بالإسم مسؤولاً عن تنفيذ الخطة البديلة لحظة حدوثها.

عندما كنت أجلس خارج العمل في جلسات عامة وأطرح فكرة إدارة المخاطر، كنت أستغرب من ردة فعل البعض، فقد كان يرى في ذلك تشاؤماً، فهو يعتقد أنه يجب علينا أن نكون إيجابيين ولا نتوقع سوى الخير، فكنت أرد على تلك العقول البسيطة وأسألهم سؤالاً واحداً؟ ماذا لو حدث الشر … كيف ستتصرف؟ وكان الرد أبسط من الذي قبله (يا أخي إنوي الخير وتوكل على الله ولن يحدث شئ!)، وكنت أتذكر وقتها قول الصحابي الجليل «حذيفة بن اليمان» يوم قال: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يُدركني)، فقد كان رضي الله عنه يريد من هذا السؤال أن يكون جاهزاً للتعامل مع ذلك الشر – إذا أدركه – حتى ينجح، ولم يكن رسول الله يوبخه لتلك الأسئلة ولم يكن يُذكِّره بالتفاؤل والإيجابية، لأنَّ الشر موجود على الأرض ولابد من أن يطالنا جميعاً في أوقات مختلفة من أعمارنا.

في الحقيقة الغالبية الساحقة من الناس لا تدري التعريف الصحيح للتشاؤم، فنسبة لا بأس بها تعتقد بسلبية الشخص الذي يذكر الصعاب التي يمكن أن تعترض تقدمنا في الحياة، والحقيقة أنَّ هذا ليس تشاؤماً، ولو كان الأمر كذلك لما أصبح لدينا علم من علوم الإدارة يُسمى (إدارة المخاطر) كما ذكرت آنفاً، فليس التشاؤم توقع الصعاب، ولكن التشاؤم هو عدم الإيمان بحقيقة أنه يمكن التغلب على تلك الصعاب، والأمر يحتاج إلي إدراك وبحث وتخطيط:

  1. إدراك لتلك الصعاب من خلال الإقرار بها وعدم إنكارها بحجة التفاؤل والإيجابية الزائفة، لأنها شئنا أم أبينا هي حقيقة واقعة لا محالة.
  2. البحث عن حلول ممكنة للتغلب على تلك الصعاب، والخبير المُجرِّب يعلم أنه لا توجد مشكلة في الدنيا إلاَّ ولها حل.
  3. التخطيط لكيفية تطبيق الحلول التي تم الوصول إليها خلال البحث.

حتى لو نظرنا إلى السياق القرآني، فسنجد أنَّ الله سبحانه وتعالى ذكر المخاطر والمصاعب التي تحيط بالعبد في الدنيا والآخرة من جحيم وسعير إذا لم يتم إتباع أوامره والعمل على توخي الحذر. تخيل لو أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يذكر لنا شيئاً في كتابه العزيز عن القيامة وأهوالها ولا جهنم وعذابها، وذكر فقط الجنة ونعيمها؟ كيف يمكن للإنسان الإنتباه لها؟ بل كيف يمكنه أن يرفع من همته إن لم يكن يعلم الأمور التي هو مُقدم عليها؟

اليوم مع الأسف الشديد، ابتلي العالم بنوع رخيص من التجارة، تجارة تعتمد على بيع الوهم للناس، وأطلقت عليهم منذ سنوات لقب يستحقونه بجدارة … (تجَّار الإيجابية)، وهم جماعة عملوا على تحريف علوم التنمية البشرية العظيمة المبنية على الحقائق، وجعلوها مبنية على أحلام لا يمكن لها أن تصبح حقيقة، ليس لأنَّ الأحلام لا يمكن تحقيقها، ولكن لأنهم أوهموا الناس بأنَّ النوايا الحسنة وحدها كافية لتحقيق تلك الأحلام، بحجة الطاقة الإيجابية التي ستخرج من العقل والجسد لتذهب إلى ما نريد تحقيقه ليأتي بين يدينا … يا سلام!

تجَّار التنمية البشرية

يوم بدأت الكتابة عن كندا لتوعية الراغبين بالهجرة إليها، كان – ومازال – بمقدوري العمل في هذه التجارة الرخيصة، لأروج تنمية وهمية ليس لها وجود، بل والعبث في أقدار البشر بحجة الإيجابية الزائفة والنظر إلي نصف الكأس الممتلئ، ولكن لأني أخاف الله وأعلم أنَّ أصل النجاح هو عدم الإنفصال عن الواقع والإعتراف بمصائبه كما هي من دون تزييف، لم أسمح لنفسي بذلك الإتِّجار الرخيص بعقول الناس.

وقعت منذ أيام على دراسة علمية في هذا الشأن تثبت نجاعة منهجي، إذ تقول الدراسة: (الغارقون في التفكير والخيال الإيجابي أكثر عرضة للإكتئاب السريري)، وقد يُخيل لك من العنوان أنَّ الدراسة تنتقد الإيجابية … ولكنها ليست كذلك، إنما تنتقد الإيجابية الزائفة والتي تؤدي إلى العزوف عن العمل والإكتفاء بالأحلام والنوايا الحسنة.

يقول العلماء القائمون على تلك الدراسة أنَّ الترويج لتلك الإيجابية الزائفة تشجع الناس على الإطمئنان والتلذذ بنجاحهم في وقت سابق لأوانه داخل أفكارهم وخيالاتهم، الأمر الذي سيؤدي إلى تقليص جهودهم الحقيقية في عالم الواقع لينعكس سلباً على أدائهم، وبالتالي تنتج الأعراض الإكتئابية نتيجة الفشل المؤكد الذي كان من الممكن تلافيه لو كان هناك إدراك وبحث وتخطيط لحقيقة ما يجرى على أرض الواقع، وهذا الإطمئنان الذي ركنوا إليه في وقت مبكر جعلهم يتوقفون عن البحث والتخطيط والعمل الجاد.

النجاة من تلك الإخفاقات سهل لو تعلمنا مهارات التفكير الواقعي والإدارة الناجحة، فقبل الشروع في أي أمر – كالهجرة مثلاً – أولى بنا تخفيض سقف التوقعات، الأمر الذي سيجعلنا نستمر في البحث والعمل لإتمام ما ننوي القيام به بنجاح، وثانياً توقع أسوأ الأشياء التي يمكن أن تواجهنا خلال مشروع الهجرة، ومن ثم وضع خطط عملية لإدارة تلك المخاطر والتي يمكن أن تُجهز على كل آمالنا بأي نجاح في ذلك البلد الذي ننوي الهجرة إليه إن لم نعلم عنها ونتداركها.

close

مرحباً 👋 سعيد بوجودك هنا

قم بالتسجيل ليصلك أفضل محتوى على بريدك الخاص

2 فكرتين بشأن “لماذا نفشل؟”

  1. شكراً أخي حسين على المقال الرائع

    يعجبني في كتاباتك انها واقعية وبإمكان الجميع تطبيقها على حياتهم ببساطه .. بعكس الكثير من علوم التنمية البشرية التي قد تؤدي بالإنسان إلى الدخول في متاهة في الحياة وازمات في التفكير والتعامل مع الواقع .. واعتقد ان احد الأسباب ان بعض علوم التنمية البشرية صممت لمجتمعات مختلفة عن مجتمعاتنا العربية وطريقة تفكيرنا وظروفنا وترجمت بدون تكييفها مع واقعنا ،، وهومايؤدي بالإنسان عند تطبيقها على حياته – بدون واقعية – الى الوقوف في منتصف طريق التطور الشخصي ..فلا يستطع الانسان ان يحقق احلامه بهذه العلوم والمفاهيم النظرية … وكذلك لن يستطيع العودة بسهولة إلى ماكان عليه من طرق التفكير للبحث عن طرق اخرى لتحقيق احلامه…ويستمر الإنسان عدة سنوات في المتاهة والتخبط بحثاً عن طريق للخروج .. والوصول الى أهدافة والتي قد يكون اساس المشكلة هي التطبيق الخاطئ لعلوم التنمية البشرية وما يناسبنا منها .

    شكرا على واقعيتك وبساطة طرحك في شرح المفاهيم ودعمها بالأمثلة الواقعية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *