تخطى إلى المحتوى

تعلم أن تقول «لا»

تعلم أن تقول «لا»الطاعة والإنصياع وقول كلمة “نعم”، هي المبادئ الأساسية لتقاليد التربية العربية، ترويض تام تتم تربية الناشئ عليه لدرجة أنه يكبر ويترعرع وهو لا يستطيع أن يبوح بما يُريد فعلاً، وتتشربها النفس بحيث لا تستطيع قول “لا” أبداً لأي شخص كان كبيراً أم صغيراً. فمعظم ردود الناس عندما يطلب منهم أمر تكون بالمبادرة بكلمة “نعم”، وقليل من هم الذين يقولون “لا”، إنَّ الكثير يجد صعوبة بالغة في النطق بكلمة “لا” متوهماً أنَّ ثمة مصاعب قد ينالها، وأنه قد يخسر ود الآخرين وحبهم. ومع الأسف هذا نتاج التربية على الطاعة العمياء بدون فهم، مما يجعل الإنسان يتنازل عن أمور كثيرة في حياته لصالح الآخرين، فعلى سبيل المثال من الأمور التي يُجبِر عليها العُرف والتقليد العربي ألاَّ تقول “لا” لمن يدعوك إلى مأدبة طعام، وبالمقابل إذا قبلت الدعوة وجاء وقت الطعام وأكلت، فإنك لا تستطيع التوقف عن الطعام، وذلك لأن المُضيف مازال يُصر عليك بالمزيد حتى ولو كان الطعام أكثر من حاجتك، ودعوة تلو الدعوة تخسر صحتك ويمتلئ جسدك لأنك لم تستطع أن تقول “لا”!

قول “لا” ليس بالتصرف الأناني ولا بالأمر السيء، إنه أمر صحي من أجل وقتك الخاص ووقت عائلتك، عندما تقول “لا” تتمكن من قضاء الوقت بجودة أعلى مع الأمور التي قلت لها “نعم” من قبل، كالخطط السابقة للقراءة والتأليف والرياضة ومشاهدة البرامج الوثائقية وقضاء وقت مع العائلة … إلخ، كما أنك بقول “لا” تتمكن من إكتشاف نفسك أكثر بالبحث عن هوايات جديدة لم تجربها من قبل، فعندما تقول “نعم” من باب معاونة مديرك في عمله أو صديق مثلاً، ليس بالضرورة أن يُصبح هذا ديدنك في قول “نعم” لكل سائل يطرق بابك.

كلمة “لا” كنز لم يتمكن الكثير من إستغلاله، ستتعجب عزيزي القارئ لو علمت أن تعلمك كيفية إستعمال هذه الكلمة سيكسبك إحتراماً حقيقياً أكثر من الماضي، فمعظمنا يعتقد أن اللطف والمبادرة بتقديم المساعدة كفيل بكسب ود وإحترام الآخرين، ولكن الحقيقة قد تكون عكس ذلك، كون الطيبة الدائمة تنتهي بالإستغلال والتطاول، والمساعدة الصادقة تنتهي بالإتكالية ورمي الأعباء عليك، أنا متأكد عزيزي القارئ أنك لا ترغب بأن تكون سلة غسيل يُرمى فيها الثياب القذرة، وبالمقابل حين تقول “لا” بطريقة مؤدبة وابتسامة خفيفة تثبت إستقلاليتك وحرية إختيارك، وهو ما يُـكسبك إحترام الآخرين بكل تأكيد.

لابد هنا من التفريق بين المساعدة كمبادرة ذاتية والعمل النبيل من جهة، وبين استغلالها من قِـبَـل الآخرين من جهة أخرى، فالمساعدة بطبيعتها حالة مؤقتة تُصرف فقط للمحتاجين، ولكنها تتحول إلى استغلال إذا إتخذت طابع الديمومة والطلب الرسمي، ولأنها عمل إضافي لا تنال مقابله أجراً، يجب أن تتخذ قرارك بسرعة بناء على خلفية تعاملك مع السائل، وفي حال لمست منه نفحة إستغلال أو إتكالية، فما عليك سوى أن تقول له بكل وضوح ( آسف… لا أستطيع مساعدتك )، وحين تقولها لا تخشى خسارته، بل على العكس توقع منه إحترامك كصديق تعاني بدورك من ضيق الوقت وتراكم الأعمال، تحرر من الشعور بالذنب، وخطط لنفسك ورتب أولوياتك، ليس بالضرورة أن يجذبك ما يجذب الآخرين، كما أنه ليس كل ما هو مهم لغيرك مهم لك.

دائرة الإلتزامات

فكر معي عزيزي القارئ كم مرة في اليوم أو الأسبوع تتنازل عن أمور كثيرة لصالح من حولك لأنك لا تعرف كيفية قول “لا”، أو معتقداً أن كلمة “لا” جارحة لأنك طيب، هذا ما يحدث مع زوجتك وأولادك، أقاربك وأصحابك، مُديريك وزملائك، حتى عائلتك تستحق كلمة “لا” في بعض الأوقات، فأنت كالبطارية تحتاج لأن تشحن نفسك بالقراءة والمطالعة والرياضة والإسترخاء حتى تتمكن من القيام بمهامك تجاه العائلة والعمل، فالمسئوليات كثيرة ومتعددة أمام المجتمع.

إذا هاتفك صديق يطلب منك مرافقته إلى السوق أو جلسة في مقهى، وكنت قد رتبت مُسبقاً جلسة مع زوجتك وأولادك في المنزل، إيَّاك أن تلغي ما قد خططت له مُسبقاً من أجل أمر طارئ ليس بالمهم، ولا تشعر بأي ذنب في أن تقول “لا” لأنك مرتبط بالفعل. إنَّ التعود على كسر الخطط سيُفقدك معنى التخطيط وترتيب الأولويات والتقـيّـد بالمواعيد المُجدولة مُسبقاً، مما يزيد الضغط النفسي عليك، وحتى إن كانت الدعوة ليوم غد أو بعد غد، فأنت لست مضطراً لقول “نعم” في التو واللحظة، خذ وقتك وفكر بالأمر وراجع أولوياتك.

إذا هاتفك أقرباؤك فجأة يودون القدوم عندك للعشاء، لا تُفرط بالموافقة في إستقبالهم، ولا تستحي من قول “لا”، فلعلك لست بمزاج حسن لإستقبالهم، مما سيزيد الضغط عليك لو فعلت، أو لعلك لا تملك شيئاً في منزلك لطعام العشاء، كما أن الله سبحانه وتعالى يقول: { وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ } النور من الآية 28، هذه الآية الكريمة تؤكد صحة ما أقول، فالإعتذار وقول “لا” من أدبيات ديننا الحنيف.

من جهة أخرى، لعلك من النوع الذي يعشق الدقة في العمل ولا يقبل بأعمال منقوصة أو ليست على أكمل وجه، مما يجعلك تقوم بكل شيء بنفسك، سواء كان ذلك في بيتك أو عملك، الأمر الذي لا يمكّنك من تحويل بعض الصلاحيات إلى من حولك للإعتماد عليهم، مما يحرمك نعمة التمتع بالحرية وتقليص الضغوط. إذا أردت أمراضاً نفسية وجسدية مزمنة، استمر بما تقوم به وقل دائماً “نعم” للدقة واحرم نفسك من التمتع بوقت أفضل، أو لعلك من الأشخاص الذين يحبون الطعام الشهي واللذيذ، الأمر الذي يحرمك تنظيم ما يدخل وعاءك، وتأكل في أي وقت حتى ولو كانت معدتك ممتلئة وغير جائع، إذا أردت جسماً بديناً وبالتالي أمراضاً عضوية وملابس غير أنيقة، استمر بأكل ما طاب ولذ وقل “نعم” للطعام واحرم نفسك من التمتع بالصحة والخفة والنفَس الحر.

كل ما تحتاجه هو التمرن على قول كلمة “لا”، وبعدها ستكتشف أن العملية ليست بتلك الصعوبة، فقول “لا” يقلل الضغط ويمكنك من الإهتمام بنفسك وشؤونك الخاصة أكثر من الإهتمام بشؤون غيرك، كما يزيد من الوقت المتاح لنفسك وأسرتك مما يجعلك تركز أكثر في أمورك الشخصية ومعرفة نفسك.

كلمة أخيرة، لابد من إستخدام كلمة “لا” على الوجه الحسن، بحيث لا تصبح العملية حماقة، فقط تود قول “لا” لتثبت شيئاً ما لنفسك أمام الآخرين، قول “لا” سيُلزمك التخطيط لنفسك مُسبقاً، فالشخص الذي يحيا حياة عشوائية ليس لها معالم واضحة، ليس في مصلحته قول “لا”، لأنه قد يخسر ما هو أفضل مما هو عليه الآن.

close

مرحباً 👋 سعيد بوجودك هنا

قم بالتسجيل ليصلك أفضل محتوى على بريدك الخاص

10 أفكار بشأن “تعلم أن تقول «لا»”

  1. معظم الناس لا يحبون أن يقولوا “لا” ولا أن يسمعوها فهم يخافون أن تفوتهم فرصة لا تعوض او أن يقوموا بإثارة المشكلات او أن يهدموا جسور التواصل الإنساني مع الآخرين

  2. رداً على تعليق هشام ديب :

    أخي هشام، سعدت يزيارتك وتعليق، وآسف للرد المتأخر، فقد كنت في إجازة مطولة … وها هي قد شارفت على الإنتهاء.

    لو قدَّر الله لك أن تزور بلداً غربياً مثل كندا التي أنتمي إليها حالياً … سترى بشكل عملي إستعمال كلمة “لا” … وستعلم الفرق بين الحضارتين الشرقية – العربية منها – والغربية، فالمواطن الغربي وبكل بساطة لا يقبل المقامرة بكلمة “نعم” لأنه يعلم أنه يجب عليه تحمل تبعاتها.

    أشكر مرورك مرة أخرى وأتمنى أن أراك مجدداً مع مواضيع جديدة بإذن الله.

    كل التوفيق،

  3. جزاك الله خير على المقال الاكثر من رائع
    والذي اعجبني فيه اللفته أوالفقره الاخيره التي فعلا طالت الشريحه الاكبر من العالم العربي برأي الشخصي الذي يقضي اكثر وقته بعشوائيه وكل شئ عندو “قدام” أي نعم, لعدم وجود اي خطط اصلا.

  4. كلامك جميل جداا وانت مشكور على ذالك فهناك هدة مواقف يتطلب فيها كلمه لا ولكن نكون كالمعتاد ننطق كلمه نع ولكن المواقف الالتى يتطلب فيها كلمه نعم اكثر بكثير ومادام الفرد منا مرتاح اذا قال نعم فليقل واذا كان مرتاح فى قول لا فليقل مادام لا يعود عليه بالضرر وشكرااا”

  5. صحيح أخي أحمد، قول “لا” لما لا تطيق هو خير لطرفين، وستزيد متعتك وراحتك عندما تخطط لما تريد مُسبقاً وتلتزم به، وقتها ستشعر بقيمة الـ “لا” وستكون مُعتَبَرة لأنها في مكانها الصحيح، فقول “لا” لا ينبغي أن يكون للكلمة ذاتها… بل لما يجب أن تحميه بقولها في وقتها ومكانها الصحيحين.

  6. المقال ممتاز و انا بدأت اقول لا قبل 4 اشهر تقريبا و ارتحت كثير و وجدت وقت لنفسي و لكن كما قلت قل لا بشكل محترم. و في الاخير كل لمصلحتك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *