منذ أيام، فتحت تطبيق جورنال (Journal) الذي أدوِّن فيه خواطري اليومية، فاستوقفني سؤال بسيط:
(صف شخصًا قابلته مؤخرًا وكان مثيرًا للاهتمام)
لم أحتج إلى أكثر من لحظات حتى كتبت:
(الشخص الأكثر إثارة للاهتمام الذي قابلته مؤخرًا.. هو أنا، ولكن في نسختي الجديدة)
ربما يعلم بعضكم أنني بلغت مؤخرًا عقدي الذهبي. ولم أكن أظن أنَّ رقمًا واحدًا قادر على أن يُغيِّر طريقة الإنسان في النظر إلى نفسه والعالم من حوله. اليوم أفهم لماذا سُمّيت هذه المرحلة بالذهبية؛ ليس لأن الجسد يزداد قوة، بل لأن الرؤية تزداد صفاءً.
في هذه المرحلة لا يتغير العالم.. بل تتغير أنت. تُدرك أنَّ كثيرًا مما كنت تظنه مُهمًا لم يكن كذلك، وأنَّ كثيرًا مما أهملته هو ما يستحق أن تُبذل له الحياة. تتباطأ خطواتك، لا لأنك ضعفت، بل لأنك لم تعد ترى فضيلة في الركض المستمر. يُصبح الاتزان قيمة، والصبر قوة، والتأني حكمة، ويغدو الوقت أثمن من المال، لأنه المورد الوحيد الذي لا يمكن تعويضه.
لن أحدثكم عن كلاسيكيات هذه المرحلة، بل عن أكثر ما فاجأني فيها، لقد بدأت أكتشف قيمتي الحقيقية بعيدًا عن الألقاب والوظائف والأرصدة البنكية. سألت نفسي لأول مرة بصدق: (لماذا أعمل كل هذا العمل؟ ولماذا أركض؟ وما الذي كنت أحاول إثباته طوال هذه السنوات؟)
أدركت أنَّ جزءًا كبيرًا من حياتي كان يدور حول توفير الأمان المادي، وكأنَّ قيمة الإنسان تُقاس بما يستطيع أن يقدمه، لا بما هو عليه. وربما لهذا السبب يقضي كثير من الرجال أعمارهم في العمل؛ ليس حبًا في المال ذاته، بل خوفًا من أن يفقدوا مكانتهم بين ذويهم إذا فقدوه.
ومع مرور السنين، يُصبح السؤال مُختلفًا: (ماذا بقي مني بعد كل هذا الركض؟)
في هذه المرحلة أيضًا، تتغير علاقتك بالناس، لا لأنَّ الناس تغيروا.. بل لأنَّ قدرتك على مُجاملة ما لا تؤمن به قد تراجعت. لم تعد تحتمل الأحاديث الفارغة، ولا العلاقات التي تقوم على الاستنزاف، ولا اللقاءات التي تخرج منها أكثر تعبًا مما دخلتها. تتعلم أن تقول: (لا) دون شعور بالذنب، وأن تُحيط نفسك بمَن يُضيف إلى روحك، لا بمَن يستهلكها. وتتعلم درسًا آخر لا يقل أهمية: (ليس كل ابتعاد خسارة، وليس كل وحدة عزلة. أحيانًا يكون أهدأ مكان في العالم هو ذلك الذي لا يُشاركك فيه إلاَّ مَن يعرف قيمتك)
حتى علاقتك بجسدك تتغير، لم أعد أذهب إلى الصالة الرياضية لأصنع عضلات أو لأبدو أصغر سنًا. بل أذهب إليها لأنني أريد أن أحافظ على استقلالي، وأن أقاوم الوَهن، وأن أمنح هذا الجسد الذي حملني طوال هذه الرحلة شيئًا من الوفاء.
وأنا أتمرن، كثيرًا ما أسأل نفسي: (لمن أفعل كل هذا؟)
وكان الجواب الذي احتجت سنوات لأصل إليه هو (لنفسي) ليس أنانية، بل مسؤولية. لأنَّ النفس هي الرفيق الوحيد الذي لن يُفارقك حتى آخر لحظة من حياتك. فإذا أهملتها، فلن يستطيع أحد أن يعوضك عنها. وإذا أكرمتها، استطاعت أن تمنحك خيرًا أكثر مما تمنحه نفس مستنزفة أنهكها الركض لإرضاء الجميع.
لقد علَّمتني هذه المرحلة أن أغيِّر نيتي في كل شيء. أعمل لأنَّ العمل يُحقق رسالتي، لا لأنال تصفيق الناس. وأعتني بصحتي لأنها أمانة، لا لأنها وسيلة لإرضاء أحد. وأختار علاقاتي لأن فيها سكينة، لا لأنها تحقق مصلحة.
ما زال في جعبتي الكثير مما يمكن أن يُقال عن هذا العمر، لكنني أكتفي بهذه الخاطرة. فأجمل ما تعلمته هو أنَّ الحياة لا تبدأ عندما نولد، ولا عندما ننجح، ولا عندما نجمع المال، الحياة تبدأ يوم نعرف من نحن، وما الذي يستحق حقًا أن نمنحه أعمارنا، لأنه باختصار.. لا أحد يستحق!