تخطى إلى المحتوى

ماذا يرى القائد؟

دائماً ما نسمع في الدورات التدريبية ونقرأ في كتب الإدارة عن الفروق الكثيرة التي تميز القائد عن المدير، كما نسمع أيضاً أنَّ المدير الذي يتحلى بصفات القائد هو أفضل بكثير من المدير العادي الذي لا يتمتع بأي منها، ولكن المعضلة الكبرى أننا لا نرى أياً من هؤلاء القادة في منطقتنا العربية، هم بالنسبة لنا عبارة عن شخصيات خيالية لا نراها إلاَّ في أفلام هوليود، أو في أخبار المال والأعمال، أو في الكتب التي تتحدث عن القيادة وفنونها، أو من صديق عاش وعمل في أوروبا الغربية أو أمريكا الشمالية. هل تعتقد عزيزي القارئ أني سأسرد عليك موضوعاً تقليدياً عن القيادة من المحتمل أنك قد قرأته سابقاً؟ من الممكن … ولكن أؤكد لك أنك ستقرأ اليوم شيئاً جديداً مفيداً من منظور مختلف، فأنا اليوم سأتكلم عن الصفات القيادية من منظور الموظف وليس المدير، أنصحك بقراءة الموضوع كاملاً لترى إن كنت ستستفيد منه أم أنه مجرد تنشيط لمعلوماتك القديمة.

إذاً ما الذي يراه القائد ولا يراه غيره؟ هل فعلاً من الممكن العثور على مثل هذه الشخصية بيننا؟ فالفراغ المزري لفنون القيادة ومهاراتها لدى أي مسئول عربي شكل إحباطاً مزمناً وعائقاً كبيراً أمام نمونا وتقدمنا، فعلى سبيل المثال، كثيراً ما نضطر للتأخر في عملنا بسبب إنعدام المدير الذي يتميز بصفات قيادية حيوية، ولعل بعضكم يتساءل عن علاقة المدير والتأخر في العمل؟

الجواب بسيط، كم مرة يُطلَب منا التأخر في العمل لإنجاز مناقصة ما، لم نعلم عنها إلاَّ في آخر لحظة قبل التسليم؟ بل أكثر من ذلك، كم مناقصة استحقت منا كل هذا السهر والجهد؟ ألسنا نهدر الكثير من أوقاتنا على ما لا يستحق؟ أليس المدير الذي يتمتع بصفات قيادية يجب عليه بذل جهد مُسبَق على التخطيط لتحقيق رؤية المنشأة الواضحة والمعلومة لدى الجميع بدلاً من إضاعة جهد الموظفين وأوقاتهم التي هي من حقهم وحق عائلاتهم؟ ألا يلزم المدير أو المسئول التمتع بـ « فنون الإتصال » سواء عن طريق الهاتف أو البريد الإلكتروني أو المباشر بدلاً من ترك الأمور ضبابية وغير واضحة فلا يعلم أحد ما يلزم فعله إلاَّ في اللحظات الأخيرة؟

المدير القائد ذو الرؤية الواضحة يَندُر تأخر موظفيه في العمل، هل تعلم لماذا؟ لأنه لا يصرف جهودهم على ما لا يُرجى منه نفع، بل يقوم بعمل ما هو صحيح عِوَضاً عن القيام بمهامه بالشكل الصحيح (The Leader is doing the right things instead of doing the things right)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، إنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرَّين ) مجموع الفتاوى20/54، وهذا القول لابن تيمية يصف تماماً ما قصدته، الإنسان الطبيعي يعلم ما هو الفرق بين الخير والشر كما يعلم أي مدير مهامه الإعتيادية، ولكن الإنسان الفطن هو الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين تماماً كما يعلم القائد ما هو الشيء الصحيح النافع الذي يستحق بذل المجهود فيه بدلاً من فعل الأمور فقط بشكل صحيح … هناك فرق … وفرق كبير.

نصيحتي لمن يريد الإستثمار بمن هو كفء، أن يختار لمنصب المدير من يتمتع بصفات القائد أو بعض منها بدلاً من إهدار الوقت والمال على من لا يستحق، والسؤال الآن، هو كيف يمكن معرفة الموظف الذي يتمتع بصفات القائد من بين كل هذه الجموع؟

باعتقادي أنَّ هذا هو التحدي الحقيقي للمنشأة، أن تجد القائد وتستثمر فيه، لأنه في عالم المال والأعمال يشتد البحث عن القادة ولا مجال للإنتظار، فالموظف القائد غالباً ما يكون:

  1. إيجابي: الموظف الذي يتمتع بصفات قيادية تجده دائماً يرى ( + ) في أي شيء يقوم به، وأعني بـ ( + ) أي أنه يرى النصف الممتلئ من الكأس ويقوم بشيء إضافي ينقذ الموقف ويُضفي عليه صبغة النصر، فالموظف العادي دائماً ما يتوقف عند العقبة الأولى أو الثانية، وليته يعود أدراجه إلى مديره يطلب المساعدة، بل يتجاهل المهمة المطلوبة إلى أن تتفاقم الأمور ويبدأ الجميع بالسؤال عن حال المهمة، وليس هنالك أي عيب في طلب المساعدة، ولكن غالباً ما تكون المشكلة تحتاج إلى مزيد من البحث، أو تبني طرق مختلفة في إيجاد الحل للمشكلة، وهذا بالضبط ما يميز القائد، فهو يتمتع بمنهجية متقدمة في عقله تعمل على حل المشكلات بشكل منطقي ومن أكثر من جهة، فمنهجية القائد وطريقة تفكيره تتمحور حول الإنجاز والإنفتاح في البحث والتقصي عن الأفضل للوقت والمال والجهد، فإذا رأيت الموظف يقوم بما يجب عليه عمله وكأنه همّ لابد من التخلص منه، تأكد أنَّ جودة عمله متدنية ولا توافق المطلوب، فالموظف القائد يتفاعل بشكل إيجابي ومحترف مع ما يُطلب منه.
  2. واقعي: الموظف القائد خططه دائماً واقعيه وإفتراضاته دائماً منطقية، فإذا طلبت منه مهمة ما يجب إنهاؤها في وقت ضيق، سيقول لك مباشرة أنَّ هذا غير ممكن، أو يلزمني إعادة ترتيب أولوياتي المسبقة لتحل هذه المهمة المستعجلة محل التي قبلها، أما الموظف الذي يسعى فقط للظهور بأي شكل، فستجده يقبل أي مهمة لكي ينال الإعجاب ولن يستطيع إنهاءها في الوقت المطلوب، وإن حدث ذلك فستكون ركيكة الجودة.
  3. نظامي: حياة القائد ليست عشوائية، فهو دائماً يملك خططاً منظمة لما بين يديه، دائماً يوجد خطة (أ)، وإن لم تفلح فيوجد خطة (ب)، وخطة (ج) وحتى خطة (د)، ولا يتجاوز الأنظمة أبداً ويقدرها ويعمل على صيانتها وتطويرها، فإذا رأيت أنَّ الموظف متساهل في أنظمة المنشأة ولا يكترث إلى مواعيد التسليم المطلوبة منه، فتأكد أنه ليس بكفء أبداً.
  4. مبادر: الموظف القائد يتمتع بروح المبادرة، فتجده يبادر بمناصحة زملائه في العمل ومشاركتهم المعلومة المفيدة ولا ينتظر سؤالهم أبداً.
  5. منتصر: ستلاحظ أنَّ الموظف القائد دائماً منتصر، لأنه لا يستسلم أبداً ولا يقف عند أول عقبة أو مشكلة، ففي نظره هنالك دائماً توجد حلول إن تابع قضيته بشكل محترف دون تجاهلها أو تأخيريها.

الكلام عن القيادة يطول والحديث عنه ذو شجون، ولكني لا أريد أن أكرر كلاماً معلوماً لدى الجميع، فإن كنت ترى في أحد موظفيك من يملك تلك الصفات أو بعضها، أرجوك تشبث به وأنصفه بترقيته من بين ركام الموظفين، لأنك ستنعم به عندما تعطيه الفرصة والمنصب الملائم للإبداع وكذلك ستفعل أمتنا.

close

مرحباً 👋 سعيد بوجودك هنا

قم بالتسجيل ليصلك أفضل محتوى على بريدك الخاص

1 أفكار بشأن “ماذا يرى القائد؟”

  1. اضافة أخي حسين الى الجواهر التي ذكرتها فان القائد هو الذي لا يدوس على الآخرين أثناء تقدمه وعلو منصبه في الشركة, بل في كل خطوة للأمام ينظر خلفه ويمد يده ليأخذ الآخرين معه الى الأمام. لهذا السبب هو القائد لأنه وصل مرحلة العطاء للآخرين وتدريبهم على الأمور التي تدفعهم في الاتجاه الصحيح في حياتهم الوظيفية والخاصة. رأيت في كندا أنه كلما علا منصب الشخص, زاد تواضعه وهذا دليل على أنهم يعطون المسئوليات “لأهل الكفاءة والخبرة وليس لأهل الثقة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *