وحيداً على ضفاف البوسفور

|

حسين يونس

في زيارتي الأخيرة إلى تركيا، وبينما كنت أتنزَّه على ضفاف البوسفور، لفت انتباهي رجلٌ يجلس وحيداً، يلتحف بذكرياته، بينما كانت إسطنبول تلتحف بأشعة الشمس، والموج يُداعب الشاطئ في مشهدٍ يأسر الأبصار. كان العابرون غارقين في سحر المكان وزرقة الماء، أمَّا هو فقد أدار ظهره لكل ذلك الجمال، وجلس إلى جوار أشيائه المتناثرة، فيما كانت الموسيقى التركية الطربية تنساب من خيمته بصوتٍ عالٍ، كأنها تحاول أن تملأ فراغاً لم تستطع الحياة أن تملأه. وقد بدا واضحاً أنَّ الشمس قد أهدت بشرته سُمرةً عميقة، وهو يمضي أيامه باحثاً عن شيءٍ لم يجدها في البحر، ولعله كان يأمل أن يعثر عليها على اليابسة.

لا أعرف على وجه الدقة ما الذي شدَّني إليه. لعلني رأيت فيه صورةً محتملة لنفسي في يومٍ ما؛ وحيداً أبحث عن معنى. كل ما أعرفه أنني لم أستطع أن أمرَّ به مرور العابرين. جلست قرابة ساعة أراقبه بصمت، فقد لامست هذه الحالة الإنسانية شيئاً عميقاً في داخلي. وكان واضحاً أنه وجد في مراقبة المارة أُنساً افتقده في زُرقة الماء. وعلى اختلاف وجوههم وأجناسهم ومعتقداتهم، بدا كأنه ينتظر منهم شيئاً؛ ليس مالاً، فمظهره لم يكن يوحي بالحاجة، وإنما ربما كلمة، أو ابتسامة، أو نظرةً تُعيد إليه شعوره بأنه ما زال مَرئياً في هذا العالم.

أصعب ما في الوحدة حين تكون جبرية، تُربك الإنسان وتجعله حائراً لا يدري أي الطرق يسلك. يمكنك أن تُحدثني عن الحياة وتحدياتها إلى ما لا نهاية؛ ففيها ما يكفي من الآلام والصعوبات يجعل من الإنسان شخصاً أكثر صلابة. لكن أقسى ما فيها لا يُختبر في المواجهة، بل في العزلة. وقد وجدت أن أشدَّها إيلاماً لا يكون في الفقد أو الخسارة، بل في تلك اللحظة الصامتة التي تُقلِّب فيها دفترك القديم، تبحث بين صفحاته عن اسمٍ واحدٍ تطمئن إليه، وتلوذ به، وتثق فيه… فلا تجد! حينها تُدرك أنَّ الحياة لا تقسو حين تأخذ منك الناس، بل حين تتركك بينهم غريباً بلا ظل.

وبينما نهضت لأغادر، بقي الرجل في مكانه، يُراقب المارَّة كما لو أنه ينتظر شخصاً تأخر كثيراً. عندها خطر لي أنَّ بعض الناس لا يبحثون عن وطن، ولا عن رزق، ولا حتى عن نهايةٍ سعيدة، إنهم يبحثون فقط عن إنسانٍ يُشعرهم، ولو للحظة، أنهم ليسوا وحدهم في هذا العالم.

أضف تعليق