تخطى إلى المحتوى

ورطوك يا وطني

كنت أظن واهماً أنَّ تنظيم داعش سيُفرج عن الطيَّار الأردني « معاذ الكساسبة » ليكسب ودَّ العشائر الأردنية ودعمهم في توسعه الجغرافي والسياسي في المنطقة، لكن داعش أعدم الطيَّار ليختار منهجية أخرى لتوسعه قائمة على مبدأ زرع الفتن والقلاقل لشق صف البيت الواحد فيجد طريقه إليها، لكن الطريقة التي أعدم فيها الأسير جعلت من الأردن حكومة وشعباً مجتمعين على قرار واحد … الثأر لمعاذ المغدور، والأردن بدوره تعهد بمَسح التنظيم عن بكرة أبيه، وفي ظل العواطف الجيَّاشة ولهيب الثأر وتصفيق الجماهير، باشر بتكثيف طلعاته الجوية بمساندة أمريكية من دون أنَّ نعلم حيثيات هذا الثأر وكيف سيكون والمدة التي سيستغرقها، ليُضيف الأردن إلى سجل مصائب الفساد والفقر والبطالة الداخلية، مشاكل خارجية قد تقضي على أمنه واستقراره بالكامل، ووقتها سيُدرك متأخراً أنه قد تورط رغماً عن أنفه في المشروع العالمي الجديد للشرق الأوسط!

منذ أشهر معدودة عندما قرر حزب المحافظين الحاكم في كندا المشاركة في التحالف الدولي ضد داعش، ضغطت أحزاب المعارضة على رئيس الوزراء ليأتي بخطة بيِّنة، واضحة المعالم، لها بداية ونهاية لحيثيات تلك المشاركة، فاضطر الحزب الحاكم إلى تقديم خطة كاملة شرح فيها عدد الجنود والطائرات وأماكن تواجدهم والمهام التي سيقومون بها ومدة المشاركة وعدد الطلعات الجوية المتوقعة وميزانيتها … إلخ. بينما في الأردن لم نجد أي شيء مشابه، فقط تعبئة عاطفية وانفعالات قد تجعل من الأردن سوريا الثانية لا قدَّر الله، وليست الأردن بمأمن مما حدث في العراق وسوريا.

العقلاء وقارئي التاريخ يعلمون يقيناً أنَّ الأردن موجود على لائحة المخطط العالمي لتوسع إسرائيل جغرافياً وزيادة نفوذها في المنطقة، وإسرائيل ستحتاج لتلك الفتن والصراعات العِرقية والدينية في دول الطوق لتجد حجة قوية لعرض مساعداتها على جيرانها أو حتى التدخل مباشرة لحماية أمنها، والطرق التي تستخدمها الدول الكبرى الداعمة لإسرائيل في زعزعة استقرار الأردن أخذت أشكالاً عدة على أمل أن تنجح إحدى تلك الطرق للإنتقال إلى المرحلة التالية، فلم تنجح فتنة الفلسطيني والأردني في شق نسيج المجتمع الأردني الثابت من شتَّى الأصول والمنابت، وفشلت كذلك فتنة الربيع العربي من تقليب قادات الجيش العربي على الملكية الهاشمية، وها هم اليوم قد ألقوا بالأردن في فتنة الإنتقام من داعش علَّها تأتي أُكلها.

أعتقد أنَّ الذين ألَّفوا فصول رواية الشرق الأوسط الجديد، قد جهزوا للأردن ما لا يَخطر على باله، وفي حال فشلت فتنة قتال داعش والإنتقام لمعاذ، أعتقد جازماً أنَّ الفصول المستقبلية في الرواية ستكون أشد قباحة مما هي عليه اليوم لهز كيان الأردن، والإجهاز عليه كما أجهزوا على فلسطين ولبنان والعراق وسوريا وليبيا واليمن، ولا ننسى مصر والتي حيكت فصولها بدهاء كبير، ولكن فصول الرواية المصرية ستستغرق المزيد من الوقت والجهد، ولكن العمل جارٍ على قدم وساق ضمن الحراك الطبيعي ودون أن نشعر.

السؤال المهم: ما الذي أوصل الأردن إلى هذه المرحلة القبيحة؟ لماذا سقطت الطائرة الأردنية من دون كل طائرات التحالف؟ هل هو حظ الأردن العاثر كما جرت العادة؟

بعد سقوط الطائرة مباشرة، أكدَّ أكثر من خبير عسكري أمريكي أنه من سابع المستحيلات أن تكون مضادات داعش الأرضية قد أسقطت الـ F16 الأردنية، وقد عَزو سبب سقوطها إلى احتمالية عطل فني أصاب الطائرة، وأنا أعتقد أنه قد تم تدبير هذا العطل لإسقاط الطائرة وإقحام الأردن في كل ما نراه اليوم!

حتى وإن كان العطل غير مُدبَّر، راقب شريط الأحداث منذ سقوط الطائرة وأسر الطيَّار، ومن ثم إعدامه بطريقة شنيعة لتقليب الرأي العام الأردني ضد حكومته، فستخلص إلى إحدى احتماليتين:

  1. الإحتمال الأول: فتنة بين الشعب الأردني والنظام الحاكم، فقد تم اختيار بث شريط الإعدام في توقيت كان فيه الملك الأردني خارج البلاد على أمل أن تهيج العشائر الأردنية بمساندة من قيادات الجيش العربي ليدخل الأردن في دوامة الإنقلابات التي لا تنتهي، رغم أنَّ الإعدام قد تم قبل 20 يوماً من بثِّه.
  2. الإحتمال الثاني: إلتفاف الشعب الأردني حول قيادته لحشد الرأي العام للقتال ضد داعش والثأر لمعاذ، وإدخال الأردن في حرب طويلة ومكلفة ومرهقة جداً من دون أي خطة واضحة، قد تقضي على أجزاء كبيرة من الجغرافيا الأردنية، كما ستمهد الطريق لنشوء المزيد من الجماعات المسلحة داخل الأردن على غرار داعش لمناصرة الخلافة الإسلامية المرتقبة قبل الملحمة الكبرى والقتال ضد إسرائيل.

الإحتمال الثاني هو الذي حدث، وباشر الغرب بكل ثِقله على تعبئة الرأي العام العالمي لمساندة الأردن في حربه ضد داعش، وقد صرَّح زعماء الغرب أكثر من مرة عن استعدادهم لدعم الأردن عسكرياً في حربه الطويلة والمستنزفة ضد داعش، وأشارت استطلاعات الرأي الأمريكية أنَّ الحزب الجمهوري في طريقه للبيت الأبيض في انتخابات الرئاسة الأمريكية المُقبلة، وفقط للتذكير، الجمهوريون دائماً ما كانوا دعاة حرب وتجَّار سلاح، واستتباب السلام العالمي ليس من ضمن أجنداتهم، وهم من الداعمين لحرب الأردن ضد داعش حيث يمكنهم أن يُمارسوا هواياتهم السياسية والتجارية.

وبينما تتغير معايير الحرب والسلم في بلاد العرب والمسلمين، يتحول العدو الحقيقي إلى حليف، وتنحصر أهداف الحروب المقدسة من تحرير التراب المُحتل إلى ثأر عشائري، وتبقى المنطقة في دوامة تطحن بعضها بعضاً في حرب يعلم الله والعقلاء من بعده أنَّ الجميع فيها خاسر، والأردن في مقدمة تلك الدول التي لن تنال من هذه الحرب أي خير على الإطلاق.

close

مرحباً 👋 سعيد بوجودك هنا

قم بالتسجيل ليصلك أفضل محتوى على بريدك الخاص

5 أفكار بشأن “ورطوك يا وطني”

  1. كل ما يجري خدمه لاسرائيل وابعاد للجيوش العربيه عن ساحة الحرب الحقيقيه حتى تبقى اسرائيل تنعم بالأمن
    والتاريخ يكرر نفسه وسياسة فرق تسد الكل بيعرفها بس من غبائنا نتجاهلها وبجرونا نلهث وراء تحقبق اهدافهم وبملئ ارادتنا
    كله مخطط ومدروس وما في صدفه
    واكلت يوم اكل الثور الأبيض مسكونا بالدور بلاد العرب اوطاني من الشام لبغداد ومن نجد الى يمن الى مصر فتطواني
    والله يستر والله لا يبعدنا عن العدو الفعلي

  2. العالم رقعة شطرنج جنوده و بيادقه العرب والمسلمون التي تحرك بحرفيه تامه بعقول امريكيه و برطانية للوصول للهدف الاسمى خدمة اسرائيل و تفريغ خزائن الشرق الاوسط

  3. يسلم قلمك وعقلك يارب
    الوضع صعب جدا ولكن لاتقنطوا من رحمه الله ..شده وتزول انشالله وتخرب كل مخططاتهم ربنا قادر على كل شيء ..
    اللهم يحفظ بلادنا بالامن والإيمان يارب ..
    العدو من أمامنا والبحر من خلفنا والأردن محاطه ..الله يحميها ويحمي الي حاميها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *