لابد للعقول من أن تعلو القشور

Hussein Younes

Updated on:

لابد للعقول من أن تعلو القشور

يختلف العرب والمسلمون في طريقة تعاطيهم مع القضية الفلسطينية … خصوصاً في الآونة الأخيرة في الوقت الذي أصبحت فيه القضية مهددة بالزوال عن المسرح الدولي والضمير العربي، فمنهم من ينظر إليها من منظور سياسي بحت، ومنهم من ينظر إليها من منظور ديني بحت، ومنهم من يراها من كلا الوجهتين، أنا شخصياً متابع للشأن الفلسطيني على أكثر من مستوى، السياسي والديني والإجتماعي، وجميعها أمور مهمة لا يمكن التفريط بها، ففي الآونة الأخيرة وبسبب تطبيع بعض الدول العربية مع إسرائيل، قام بعض مواطني هذه الدول بزيارة فلسطين، ولكن الثمن كان مراً … فقد كان من خلال التقدم إلى سفارة دولة الإحتلال للحصول على تأشيرة مرور، والأمرّ لهم كان رؤية جيش الإحتلال أمام ناظرهم في طرقات فلسطين ولم يستطيعوا أن يحركوا ساكناً، لكنهم اعتبروا ما قاموا به جهاداً للمحتل ودعماً لإخوتنا في الداخل الفلسطيني، بل أكثر من ذلك، فقد توخوا الحذر قدر المستطاع في نفع وإفادة المحتل الإسرائيلي من خلال إجتناب المنتجات والفنادق الإسرائيلية، ولجئوا عِوضاً عنها إلى المنتجات والفنادق الفلسطينية.

لكن المشكلة الكبرى التي يواجهها الفرد العربي المسلم هي مشكلة تحمل المسؤولية تجاه القضايا المهمة في حياته كقضية فلسطين، وحتى يُريح نفسه ويُزيل العبء عن كاهله، تشدق بفتاوى المشايخ الفضلاء وترك عقله ونصوص الشرع لأنَّ فلاناً من العلماء قد أفتى بعدم جواز زيارة فلسطين وهي تحت الإحتلال الإسرائيلي، وآخر يضيف أنَّ هذا كله إهداراً للوقت والجهد، وما علينا إلاَّ مساندة إخوتنا بالدعاء وإنتظار المهدي ليحرر فلسطين، المهم أن يستريح هذا الطيب من العبء النفسي ويتابع قنوات روتانا بأريحية ومن دون مشوشات.

هنالك بعض الآراء الأخرى والتي ترى أنه لابد لنا من الإمتناع عن زيارة فلسطين حتى لا نساعد إسرائيل على أن تكسب رأياً عاماً بأنها دولة حضارية متسامحة فاتحة ذراعيها لجيرانها العرب، قد يكون رأياً جيداً إلى حد ما ومقروناً بظروف معينة، ولكن أحبابي، لابد من التفكير في أنفسنا وفي إخوتنا في فلسطين أكثر من التفكير في الرأي العام العالمي وكيف ستستغله إسرائيل، لأنه وبكل بساطة، لا اليوم … ولا غداً … ولا بعد حين سيوفَّق العربي من إستغلال الإعلام والرأي العام العالمي، فالنوايا في مثل هذه القضايا معتبّرة وهي عند الله، ويؤسفني جداً أن أقول أنه وتحت شعارات حوار الأديان والتسامح فيما بينها، عاجلاً أم آجلاً سنرى الإسرائيلي في مطارات الدول العربية – كما رأيتهم أنا في الأردن ومصر – وبقبعته الدينية بما فيها مطارات دول الخليج العربي، هذا ليس فقط لأن إخوة الدم والدين خذلونا، وليس فقط لأن علماء جهنم أحاطونا من كل جانب، بل أيضاً لأن الله سبحانه وتعالى قد أنبأنا بعلوهم في سورة الإسراء.

من تابع فتاوى الثلاثين سنة الماضية، يجد الكثير من القضايا التي كانت حراماً قد أصبحت اليوم حلالاً، لعل البعض يراها قضية صحية وجيدة، إذ كان المشايخ والعلماء في السابق متحجرين في فهم الإسلام وأحكامه، أما اليوم فقد زادهم الله علماً وليناً في النظر إلى الأمور، ولعل البعض الآخر يرى هذا التغيير من متطلبات الخنوع للحاكم والسلطان وأسيادهم في عالم الشرك والإلحاد.

بغض النظر عن كلا الرأيين، من المهم جداً أن نعي أننا في كثير من قضايا الشرعية – نحن عوام المسلمين – لا نحتاج إلى مثل هذا اللجوء المفرط والغير مبرر للمشايخ والعلماء، فعندما تتابع أسئلة عامة الناس على الفضائيات، يشيب رأسك من شدة جهل السائل وسخافة الأسئلة ومضمونها، ففي السابق كان العلماء يُلجأ إليهم في المسائل العويصة والمعقدة، وليس كما هو عليه الحال اليوم، حتى باتت آراء العلماء غالباً ما تكون على حساب الإسلام والمسلمين، لأنهم – إن سلمنا بأنهم علماء أتقياء – لا يعلمون حيثيّات وتفاصيل الكثير من المسائل الفقهية كما يعلمها السائل نفسه.

على سبيل المثال، ما هو قولك إذا هدم المسجد الأقصى – لا قدر الله – وخرج علينا المشايخ الفضلاء بتهدئة المسلمين بقولهم: ( وماذا يعني الأقصى؟ حجارة … ونحن لا نعبد حجارة ولا نعبد الأقصى … نحن نعبد رب الأقصى )، ماذا سيكون رأيك وقتها؟ هل ستؤيد المشايخ على هذا القول الشيطاني الذي هو حق في ظاهره وباطل في مضمونه؟ طبعاً أنا أسوق هذه الأمثلة ليس لتقليب الرأي العام ضد مشايخ وعلماء الإسلام، ولكنها دعوة للعقل ليحضر بيننا ويكون له دور كما أراده الله.

أذكر أني كنت أستمع إلى برنامج الفتاوى اليومية في الرياض على موجة أثير إذاعة القرآن الكريم أثناء قيادتي للمركبة، في الوقت الذي كانت فيه العمليات الإستشهادية – الإنتحارية عند البعض – في فلسطين على أشدها، فسأل السائل: ( يا شيخ، هل عمليات قتل النفس في فلسطين ضد العدو الإسرائيلي حلال أم حرام؟ )، فأجاب الشيخ جواباً لم أسمعه طيلة حياتي من شيخ سلفي وقد أعجبني جداً، لأنه فيه عقل لا يتعارض مع النص، فأجاب: ( لماذا تسألوننا نحن مشايخ السعودية مثل هذه الأسئلة؟ يا أخي أنا لست إمام جهاد ولم أمسك سلاحاً في حياتي ولا أعلم ما هو الجهاد، إذا أردت رأيي أنا … فسأقول لك بكل برود وأنا جالس هنا في الأستديو تحت التكييف بأن قتل النفس حرام، ولعلي أكون مخطئاً، أما إذا أردت فعلاً أن تعلم الجواب الصحيح … فاسأل أهل فلسطين، فهم في جهاد ورباط، وعندهم من علماء أهل السنة من نثق بهم وبآراءهم )، تمنيت وقتها إستنساخ هذا الشيخ الحكيم لمئة ألف نسخة، حتى نوازن خلل الإفتاء الحالي والذي يعصف بعالمنا الإسلامي.

إذا إستخدمنا العقل كما أمرنا الله سبحانه وتعالى وفيما أمرنا، سنصل وقتها إلى حقيقة فحواها أنه ليس بالضرورة من أن تجمع الأمة على رأي واحد، وهذه من المغالطات الضخمة التي أوقعنا بها بعض المشايخ الفضلاء، فقد كنت دائماً أستمع إلى شيخ ما يحاضر في مسألة شرعية ويقول فيها الكلمة المعتادة عند جميع المشايخ: ( هذه المسألة قد أجمع عليها علماء الأمة )، وبعدها أتحقق من المسألة لأجد أنَّ الشيخ الكريم قد أخطأ … إما جاهلاً أو متعمداً، والحقيقة أنَّ علماء الأمة من أهل السنة والجماعة لم يجمعوا على كثير من المسائل، فالبعض يستخدم هذه الجملة ليقنع العامة برأيه وأنه على حق، ولكن هذا الكلام مرفوض شرعاً ولا يليق بالعلماء.

للمصداقية العلمية عزيزي القارئ، إجماع العلماء على مر التاريخ يكاد أن يكون مستحيلاً، من الصعب جداً أن تجد إجماعاً في الإسلام، فالأصل في الفقه الإسلامي الإختلاف فيما يجوز الإختلاف فيه، وبدلاً من أن نحشد طاقاتنا على أن نجمع الأمة على رأي واحد – وهو أمر مستحيل بكل تأكيد -، الأولى أن نحشد طاقاتنا على إستيعاب هذا الإختلاف ليصبح قوة لنا في التخطيط والتنفيذ.

عودة إلى مسألة زيارة فلسطين تحت الإحتلال، أنا كفرد مسلم فقير إلى الله، أستطيع أن أتقدم للعالم الإسلامي بدراسة شرعية وسياسية فحواها جواز زيارة فلسطين تحت حكم الصهاينة، ومصادري كلها ستكون معتمدة على آراء أهل السنة والجماعة منذ زمن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وحتى يومنا هذا، أنا لا أتباهى خيلاءاً بقدرتي على ذلك … وأنا لست شيخاً، ولكني أفهم ديني ولله الحمد، ولا أرى فهمه وتطبيقه مستحيلاً كما تعلمنا في المدارس العربية، والأهم من ذلك أحاول بهذه المبادرة أن ألفت نظرك عزيزي القارئ إلى ضرورة القراءة الفردية لنصوص الشرع ومن ثم مناقشتها مع العلماء … وليس فقط الذهاب إلى مجالس الإفتاء وعقولنا نظيفة كالكتاب الخالي من الحروف لحضور حلقة من طرف واحد !!

لا تنتظر مني هذه الدراسة بخصوص هذه المسألة، لأنَّ الرأي الذي أدعو إليه أصلاً موجود عند بعض علماء أهل السنة، فليس هناك أي داعٍ لإضاعة الأوقات، ولكن لو إستعرضنا حال الأراضي الإسلامية على عجل لوجدنا أنه ليست فلسطين وحدها من تقبع تحت الإحتلال … بل جميع الدول العربية والإسلامية، بالله عليك عزيزي القارئ:

1. ما الفرق بين زيارة فلسطين وهي تحت الإحتلال الإسرائيلي اليهودي، وزيارة سوريا وهي تحت الإحتلال الرافضي العلوي؟
2. ما الفرق بين زيارة فلسطين وهي تحت الإحتلال الإسرائيلي اليهودي، وزيارة الأندلس وهي تحت الإحتلال الإسباني النصراني؟ العلة الشرعية واحدة وكلا البلدين أراضي إسلامية محتلة !!

شد الرحال إلى فلسطين، وانصر الإسلام واخوتك المرابطين في القدس

من جهة أخرى، ما الفرق بين زيارة المملكة المتحدة والولايات المتحدة والقبول بأختام كلا الدولتين على جوازات سفرنا، وبين زيارة دولة الإحتلال الإسرائيلي والتي هي أصلاً بلادنا؟ أليست الدول الثلاث دول محتلة ومسببة للإحتلال؟ من زرع إسرائيل في فلسطين؟ أليس الإنجليز؟ أليست الدول الثلاث أعلنت عداءها للإسلام جهاراً نهاراً وفي أكثر من واقعة؟ لماذا نكيل بمكيالين ولا نرى الحقيقة إلاَّ من وجهة نظر واحدة؟ هل لأن المشايخ الفضلاء ليس لهم إلاَّ عين واحدة ليروا بها الحقيقة؟ أم لأننا عطَّلنا إحدى شقي الدماغ لنستوعب فقط ما يُريحنا؟

ما أردت قوله اليوم أننا واجب علينا النظر إلى قضايانا الإسلامية من أكثر من جهة ومن أكثر من رأي، فبينما يتورع مسلم عن زيارة فلسطين وهي تحت سيطرة الإحتلال لأنه يرفض ختم الإحتلال على جواز سفره معتبراً هذا جهاداً للمحتل وقربة إلى الله، هنالك أيضاً من تورع عن البقاء في بيته يشاهد ذل أهل فلسطين من وراء شاشات التلفاز، ورأى أنه من الأولى زيارة فلسطين ومساندة الأخوة هناك والصبر على مرارة ختم الإحتلال وهذا أيضاً يكون جهاداً، كلا الرأيين وارد والنوايا معتبرة في الإسلام، وليس كل من زار فلسطين من العرب والمسلمين أصبح مطبِّعاً أو خائناً … بالتأكيد لا وألف لا، ولا يجوز لنا أصلاً الحكم على نواياهم هكذا وبكل برود !!

هل هذه الدعوة عامة للعرب والمسلمين للتطبيع مع إسرائيل؟ اليوم لو قررت مصر والأردن وغيرها قطع علاقاتها مع إسرائيل وإنهاء التطبيع … هل سأعترض عليهم؟ بالتأكيد لا … بل سأفرح، بالمقابل، إذا تمكنا نحن العرب والمسلمين في نفس الوقت كأفراد من الدخول إلى فلسطين سواء عن طريق تأشيرة إسرائيلية أو غيرها لمساندة إخوتنا هناك، أيضاً سأفرح وسيفرح بنا أهل فلسطين، فلا ينبغي التعامل مع قضايا الأمة بشكل سطحي ومن خلال الإعتراض على رموز وتأشيرات فقط … فالقضية أعمق بكثير من أتكون مجرد قشور وشعارات لإهمال الجوهر والأصول.

نحن اليوم سواء علمنا أم جهلنا، ندعم المنتجات الإسرائيلية كل يوم، بل ونحمل شعاراتهم وشعارات منظماتهم الماسونية دون أن نعلم، ومن علم قال لي: ( ماذا عساي أن أفعل … هل أتوقف عن الأكل والشرب واللبس؟! هل أتوقف عن إستخدام الحاسوب والتقنيات ؟! )، إضافة إلى أنه ليس فقط بني إسرائيل من هم أعداء أمتنا، هنالك غيرهم من فعل أقبح وأنكى، هنالك من النصارى والمجوس والهندوس والسيخ وغيرهم كثر، ولا يتكلم فيهم ولا في حرمة زيارتهم أحد !!

عزيزي القارئ، إسلامنا سهل، وليس المقصود اليوم تمييع الإسلام … حاشا لله، ولكن الفقة الإسلامي ليس بمعجزة لا يمكن فهمها والتعامل معها كما تصورنا دائماً، والأصل – والله أعلم – أن نكثِّف تواجدنا في فلسطين، لأنه وبكل بساطة … ليس فقط بالحناجر والعويل تُحرر البلدان وتقام الحضارات، بل بتبني المشروعات على أرض الواقع لتدعم الأقوال بالأفعال، وزيارة إخوتنا في فلسطين أولوية قصوى لدعم شعب أنهكته العزلة والذل والإحتلال.

والله تعالى أعلى وأعلم.

4 thoughts on “لابد للعقول من أن تعلو القشور”

  1. المسألة عزيزي حسين من باب السياسة الشرعية وليس الحرام المطلق، والأمر فيه سعة نظر

    Reply
  2. كلام جميل جدا وصحيح…أعان اللة أهل فلسطين علينا أي الدول العربية وليس على إسرائيل فقط…لأن إسرائيل معروفة بأنها العدو الأبدي والأزلي لكل العرب ….. ولكن في داخل الدول العربية لا تعرف من العدو ومن الصديق …. كما أصبح تشغيل العقول بالمنطق ..وتشغيل الضمير بالحق …من الصعب الوصول إليهم في زمن لا يسمع فيه إلا صوت المال والقوة و الظلم ولغة فرق تسد…

    Reply
    • صدقتي، هي كلها مصالح الطغاة … ليس أكثر !!

      الإمتناع عن زيارة القدس خصوصاً وفلسطين عموماً، هو في حقيقة الأمر هدية ثمينة لبني إسرائيل، إذ يعني هذا الإمتناع الإعتراف الكامل والشامل في حق سيادة اليهود على القدس وفلسطين، وتسليمهم زمام السلطة المطلقة عليها وإلى الأبد.

      لابد من أن نحافظ على صوتنا عالياً وعلى وجودنا دائماً.

      Reply

Leave a Comment