تخطى إلى المحتوى

عندما يصبح الجهاد آفة

عندما يصبح الجهاد آفة

الجهاد في سبيل الله … كان وسيبقى فريضة عظيمة رغم جهود شياطين الإنس والجن في الإساءة إليه، ولا يمكن التغاضي عن النتائج التي أفرزتها تلك الجهود، فالمسلم اليوم إما مُنكر لهذه الفريضة أو مُغالٍ فيها … طبعاً إلاَّ من رحم الله ورزقه الفهم فوق العلم ليُميِّز الخطأ من الصواب، فبالرغم من عظمة الجهاد في شريعتنا وأهميته كوسيلة لإعلاء كلمة الله والدفاع عن الإسلام والمسلمين، إلاَّ أنه كغيره من القضايا الشرعية قد تم الإساءة إليه – كما ذكرت آنفاً – وذلك باستخدامه على أقبح ما يكون، فمن خلال مراجعاتي لكثير من تصريحات الذين خرجوا إلى الجهاد في زماننا، وجدت الجهاد قد هبط في مفهومهم إلى درجة «المصالح الشخصية» بدلاً من أن يكون في أسمى وأرفع درجاته … حماية الإسلام والمسلمين ودفع كيد الأعداء لنيل مرضاة الله سبحانه وتعالى، فما يجول في خاطرهم عن مفهوم الجهاد والدافع الرئيسي وراء خروجهم إليه، يمكن تلخيصه بأنه مصيبة كبرى قد حلَّت علينا وعليهم معاً !!

إذ جعل هؤلاء المساكين الجهاد أصل الدين وغايته، وأنَّ حياة المسلم لا تكون سَوِّية إلاَّ بالجهاد ونحر الرقاب وإراقة دماء الكفار والأعداء، بل هو السبيل الوحيد للفوز بما عند الله من جنات النعيم، طبعاً ناهيك عن الفوز بالحور العين والجماع الذي لا ينتهي ولا ينقضي، والله يعلم أن الجهاد لا يتعدى أن يكون وسيلة لحفظ الإسلام وبيضته، ولا يمكن في أي حال من الأحوال إعتباره غاية يجب السعي إليها.

قال رسول الله ﷺ ((لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية)) صحيح البخاري 7237.

فعندما تستمع إلى ما صرَّح به الكثيرون ممن خرجوا وقضوا في الجهاد، سترى أن إسطوانة واحدة تتكرر في أغلب تصريحاتهم: (الفوز بالحور العين وما عند الله في علِّيين)، وقد نسوا – أو جهلوا – أنَّ أصل الجهاد هو إعلاء كلمة الله ودفع الأذى عن المسلمين وتحقيق المصلحة العامة وليس المصلحة الشخصية، وإن تحققت مع الجهاد شهادة، فيكون السعيد قد جمع بين الحُسنَيين:

  1.  شرف الخروج للجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله والذود عن الأمة، وهذا أصل الجهاد ولأجله تُرفع الراية وتُعَد العدة، ومن ثم – إن بقي على قيد الحياة – العودة إلى الحياة الإعتيادية لطلب العلم والمال والزوجة والأولاد … إلخ.
  2. أو شرف الشهادة مع شرف الجهاد، وهذه الثانية مصلحة شخصية خاصة بالمجاهد، وهي ثانوية وليست الأصل في الخروج للجهاد، وقد تأتي وقد لا تأتي، فهي موقوفة على كرم الله سبحانه وتعالى ومن ثم حُسن نية المُجاهد في الخروج، يقول الله سبحانه وتعالى {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ} سورة آل عمران من الآية 140.

يقول ابن عباس رضي الله عنه في تفسير {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا}: (في مثل هذا – أي الجهاد – لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء)، ويقول في {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ}: (يعني يُقتَلون في سبيله ويبذلون مهجهم في مرضاته)، نفهم من هذا أنَّ أمر الجهاد كله كأي عبادة أخرى، مشروعة لنيل مرضاة الله … وليس الفوز بالحور العين وغيره من النعيم، هذه كلها أمور تحصيلية تأتي مع مرضاة الله، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يخرج المُجاهد فقط لأجل الحاجة الشخصية، أو لأنه فقير قد استيأس من الدنيا ويريد أن يفارقها على هيئة شهيد، أو لأنه في ضائقة لا يستطيع أن ينال زوجة في الدنيا، فقرر هجرها إلى السماء لنيل الحور العين.

الأنكى من ذلك أنهم أغلقوا كل أبواب الجنة وتركوا باب الجهاد وحده مفتوحاً على مصرعيه، وأخذوا يفاضلون بين أبواب الجنة الأخرى … بل ويستخفون بها. المشكلة أنَّ الكثير ممن يرون الجهاد غاية، عندما يسمعون مثل هذا الكلام يقولون: إذا لم نخرج إلى الجهاد اليوم … متى سنخرج؟ إذا لم يكن فرضاً علينا اليوم والأمة في قمة ذلها … متى الخروج إذاً؟ ألم تعلم أنَّ الله فضَّل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة، فكيف لا نُفاضل بين أبواب الجنة؟!

أقول لمثل هؤلاء، أنَّ الله سبحانه وتعالى فضَّل المجاهدين في سبيله، وليس المجاهدين في سبيل الحور العين !!

كما أنه سبحانه فضَّل هؤلاء المجاهدين الذين يأتون الجهاد كما أمر هو سبحانه، وليس كما أمرت أمريكا وبريطانيا، ومما أمر به سبحانه أن يكون للجهاد أمير مسلم ذو أصل معروف بين المسلمين، وراية حقيقية تجمع لا تفرق، وليست راية إخترعتها أمريكا وحلفاءها … داعش!:

(الدمية الأمريكية في العراق والشام)

ما نفعل بجهادكم إذا أتى بالويلات على الأمة؟ ماذا نفعل بحهادكم إذا كان مُختَرقاً من قِبَل الأعداء؟ يبنون كيانه ويُشكلون عقيدته على مدى عقود من الزمان، ومن ثم يستخدمونه كي يستبيحوا أرضنا ويُفتتوا المُفتت منها، نعم، أنا أعلم أنَّ راياتنا اليوم هي أيضاً رايات إستعمارية صنيعة الأعداء، ولكنها أفضل من راياتكم الدموية، والتي لا تختلف عنها كثيراً، الظلم نفسه والديكتاتورية نفسها، ولكن ظلمكم أقبح لأنه باسم الإسلام المكلوم.

دكتاتورية حكامنا الذين أخرجتهم إتفاقية «سايكس بيكو» أبقت لنا شيئاً من أرضنا وبيوتنا وأهلنا ومساجدنا، أما دكتاتوريتكم التي أخرجتها أمريكا قد أحرقت الأخضر واليابس، وأضاعت البلاد والعباد، وجعلت شعوباً بأكملها متسولة على أبواب سفارات أمريكا وكندا ودول أوروبا، هل هذا جهاد محمد ﷺ … لا أعتقد!

بينما يعيش هؤلاء المساكين حالة من الخيال أنهم قادرون على اللعب بالأعداء والنيل منهم، كان العدو قد سبقهم بعقود من الزمان ليلعب بهم ألف مرة وهم لا يعلمون.

أذكر عندما تلقيت دورات في علوم التفاوض، كان من أهم ما تعلمته هو منح الطرف الآخر الشعور بالنصر في نهاية جلسات التفاوض رغم حقيقة خسرانه، ولكن كي أتمم جلسات التفاوض بنجاح باهر، كان لابد من إضفاء شعور النصر عليه كي يعود أدراجه واهماً أنه قد ربح التفاوض، وهذا ما تفعله أمريكا وحلفاءها بهذه الجماعات الجهادية، تلعب بهم كالصبية المراهقين … وتمنحهم نصراً زائفاً وهم في الحقيقة خاسرون بكل ما تعني كلمة الخسران من معنى، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم.

السؤال الأهم: ماذا نفعل إن لم نستطع إيجاد راية جهاد حقيقة وغير مُختّرقة، تجمع شملنا وتوحد صفوفنا؟

الجواب: حاول أن تفهم !! نعم … حاول أن تفهم كما أرادك الله مسلماً فطناً كي لا يلعب بك الأعداء كالذين سبقوك، فساقوهم من خلال الإعلام كالأنعام لا يعون ولا يفهمون. وعندما تفهم، وقتها ستعلم ما الذي يجب عليك فعله لإنقاذ أمتك على الوجه الذي يُرضي الله سبحانه وتعالى.

دمتم بخير

close

مرحباً 👋 سعيد بوجودك هنا

قم بالتسجيل ليصلك أفضل محتوى على بريدك الخاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *