تخطى إلى المحتوى

دماغ وديكتاتور وأمة

دماغ وديكتاتور وأمة

منذ أيام قمت بقراءة بعض المعلومات عن الدماغ وطريقة عمله في إدارة الجسم، وعلمت أنَّ الدماغ البشري هو العضو الوحيد في جسم الإنسان الذي يفتقر الأعصاب على الرغم من أنه يُدير القيادة المركزية للجهاز العصبي المركزي، هذا ببساطة يعني أنَّ الدماغ لا يشعر بالألم، ولا أدري لماذا ذكرتني هذه الحقيقة العلمية بالقادة الديكتاتوريين، أولئك الذين يحكمون في حظائرهم بشراً رغم إفتقارهم إلى الحس البشري … تماماً كما يفتقر الدماغ للأعصاب، أضف إلى أنَّ الدماغ يستهلك الجزء الأكبر من الطاقة التي يتم إنشاؤها في جسم الإنسان … تماماً كإستهلاك الديكتاتور لموارد شعبه وطاقاتهم.

كما يتمتع الدماغ بعدد مهول من الخلايا العصبية تصل إلى ١٠٠ مليار خلية، أي ١٥ ضعف مجموع سكان الأرض من البشر، هذا العدد الكبير من الخلايا العصبية يزيد من قدرة الدماغ القيادية للنهوض بعملية التفكير والتدبير والتطوير وإدارة الجسد، أيضاً ذكرتني هذه المعلومة بالمليارات التي يمتلكها الديكتاتوريون، والتي من المفترض أن تساعدهم على إدارة شعوبهم للنهوض بهم لا إستعبادهم.

خذ هذه أيضاً، يعتبر الدماغ الأكثر بدانة في الجسم البشري، فالدهون تُشكِّل حوالي ٦٠٪ منه وهي أعلى نسبة تركيز للدهون في عضو واحد من جسم الإنسان، وتلك الدهون تُسهِّل عمل الدماغ، تماماً كالبِطانة التي تحيط بالديكتاتور والتي تُسهِّل فساده وفتكه بشعبه!

تشابه كبير بين الدماغ والديكتاتور، ولكن هناك أمر جوهري يختلفون فيه، فالجسد يموت إذا استغنى عن الدماغ، بينما الشعوب تحيا إذا تخلَّصت من الديكتاتور.

الولايات العربية المتحدة

خلال الأسبوع الماضي، سألت المتابعين على الفيسبوك إن كانوا يعتقدون بأنَّ هذه الصورة – الخيالية – على غلاف هذا الجواز قد تصبح حقيقة يوماً ما …

الغالبية يؤمنون بأنَّ هذا أمر صعب المنال إن لم يكن مستحيلاً، وهناك من كان متفائلاً بحدوث مثل هذه الوحدة قبل يوم القيامة بقليل، بالتحديد عند ظهور المهدي المنتظر الذي يؤمن به المسلمون وأنه سيخلصهم من الجور والظلم، وسيوحد صفهم ويجعلهم على قلب رجل واحد.

طبعاً لا أريد أن أخوض في المشكلات الشرعية التي تخص تلك النصوص الواردة في ظهور المهدي والتي لا تخلو جميعها من ضعف، ولكن فقط أريد أن ألفت إنتباه القارئ العربي الذي ينتظر المُخلِّص بأنَّ هذا المخُلِّص لن يأتي، والإنتظار قد يطول إلى الأبد، والسبب ببساطة أنَّ فكرة المُخلِّص الذي ينتظره الجميع تتعارض مع العلم جملة وتفصيلاً، إذ لم يأتي نص واحد في القرآن يأمر الله فيه المسلمين إلى إرجاء العمل إلى أن يأتي من ينصرهم، فدائماً ما كان التحفيز على العمل هو الأصل لأنه الحل الوحيد للخروج من الأزمات، وفكرة المُخلِّص تدعو الشعوب بشكل غير مباشر إلى إرجاء العمل وإنتظار المعجزات.

الحقيقة تقول أنَّ الإنسان كلما صعب عليه الواقع هرب إلى الخيال، والخيال ينافي الحقيقة، والحقيقة هي الطريق الوحيد إلى العلم، والعلم أصل النجاح للخلاص من صعوبة الواقع ومرارته. فالبقاء في دوامة الخيال لن يُفيد، والمنفعة التي يجنيها أعداؤنا كل يوم بتعلقنا بالخيال كبيرة جداً، ونحن الوحيدون المتضررون من هذا الخيال.

لا شك أنَّ العالم العربي يعاني من قيادات مستبدة تعمل ليلاً نهاراً على إبقاءه مشغولاً بما هو فيه اليوم، فهناك من ألهى شعبه بالعنصرية، وهناك من ألهاهم بالرياضة، وهناك من ألهاهم بالفقر والجوع والبحث عن قوت يومهم، ولا شك أنَّ هذا الأمر يؤخر نهضة الشعوب وتقدمها … بل يُجهز عليها. ولكن الديكتاتور هو شق واحد من المشكلة، وماذا عن الشق الثاني؟ الشق الثاني هو أنا وأنت … الشعب، ويمكنني القول بأننا لدينا من القدرة ما يكفي لإفشال ما يقوم به الشق الأول نوعاً ما، لدينا ذلك الدماغ العظيم في بنيته الفريد في قدرته، والذي لا يمكن لأي ديكتاتور الإستيلاء عليه إلاَّ إذا سمحنا له طوعاً بسلبه.

عندما وضعت الحدود بين الدول العربية، لم توضع لحمايتك كما أوهموك في دروس التربية الوطنية، إنما لإبقاءك بعيداً عن الخير الكبير خارج تلك الحدود، وعندما تم إنشاء محطات الإذاعة والإعلام المحلية، لم تكن لتوعيتك والنهضة بالمجتمع، ولكن لسلب عقلك وإبقاءك داخل تلك الحدود الوهمية.

عندما إتحدت أوروبا، لم يكن لديها مهدي منتظر، ولا لغة واحدة، ولا دين واحد، ولكن كان لديها عقل يُفكِّر ويُدبِّر، ويُفرِّق بين الخير والشر، عقل يفهم ماذا تعني المصلحة وأين يمكن إيجادها، بينما لم يُسعفنا نحن العرب لا وحدة الدين، ولا وحدة العِرق، ولا وحدة اللغة، ولا وحدة الجغرافيا وإتصال الأراضي فيما بيننا.

منذ أسابيع كانت بريطانيا تهدد بخروجها من الإتحاد الأوروبي، فماذا فعل الدول الأعضاء إزاء ذلك التهديد؟ هل قالوا (تغور في داهية!)، أبداً … بل هرعوا يتفاوضون على بقاءها مراعاة لمصلحة دولهم ومصلحة الأمة الأوروبية.

لو صدَّقنا بأنَّ المهدي سيظهر لينتشل من القاع أمة بأكملها قوامها فوق المليار نسمة، فلن يحدث ذلك إلاَّ إن وُجدت أمة تريد النهوض بالفعل، ولو كانت تلك الشعوب موجودة وتريد حقاً النهوض، فلماذا لا تنهض اليوم بدلاً من إنتظار المهدي كل هذه القرون الطويلة؟ ما فائدة هذه الوحدة التي ستأتي قبل يوم القيامة بقليل وسرعان ما تنتهي؟ ما أهميتها وما هي متعتها؟ وحدة فقط لبضع سنين؟ لا نريدها … بل نريدها اليوم لنستمتع بها ولأطول مدة ممكنة.

لو كانت الشعوب تريد فعلاً إتباع أكابرها لفعلت ذلك اليوم ولما انتظرت رجل تضاربت حوله النصوص بين مُصحِّح ومُكذِّب، رجل قد يأتي وقد لا يأتي، لو كانت الشعوب فعلاً تريد الوحدة والنهضة لفعلت ذلك اليوم وليس غداً، يكفي أن نغلق التلفاز ونتوقف عن متابعة الإعلام المريض الذي فرَّق بيننا وبين عقولنا، وجعلنا أعداءاً لأنفسنا وأمتنا، هذا وحده يكفي كي نُزيل حدود الإستعمار من بيننا، وحتى نحقق ذلك، لا نحتاج إلى المهدي ليُرشدنا … فكتاب الله ينطق بيننا، وعلوم الأرض كلها مرصوصة بين أيدينا وعلى أرفف المكتبات، ولو عملنا على إسترجاع عقولنا المسلوبة سنحيا أفضل حياة بكل تأكيد، وحضارات الأرض الأخرى تشهد على ذلك.

أستطيع أن أجزم أنه لن يُسعفنا لا المهدي المنتظر ولا «عمر بن الخطاب» ولا «خالد بن الوليد» ولا «صلاح الدين»، لأنهم ببساطة لو كانوا اليوم بيننا، لن يجدوا من ينصرهم ويتَّبعهم، ناهيك عن أنه سيتم القبض عليهم وزجَّهم في سجون المخابرات العسكرية إلى الأبد.

عصر المعجزات والتعلق بها قد إنتهى، والدولة الأموية والعباسية والعثمانية لم ينتظورا المهدي لقيامهم، فكل أمة يمكنها أن تصنع مُخلصها اليوم إن أرادت ذلك، ففي كل أمة أكابرها ويمكنهم أن يهدوا قومهم إلى طريق النهضة بما يناسب عصرهم، واليوم أنا وأنت يمكننا أن نكون ذلك المهدي، فقط لو إسترجعنا عقولنا.

close

مرحباً 👋 سعيد بوجودك هنا

قم بالتسجيل ليصلك أفضل محتوى على بريدك الخاص

7 أفكار بشأن “دماغ وديكتاتور وأمة”

  1. السلام عليكم اخي الكريم حسين يوسف اهنئك على هذا المقال الجيد. لكن انا عندي نقاط مختلفة عن الموضوع الذي تتكلم عنه وفي الحقيقة سالخص هذه النقاط في كلمات قليلة:

    اولا: الرسول عليه الصلاة والسلام ربط توحد الامة مرة واحدة بخروج المهدي لانها متصلة مباشرة بعلامات قرب الساعة والتي منها: ان يوسد الامر لغير اهله(الواسطة) ومشاركة الزوجة زوجها في التجارة وظهور النساء الكاسيات العاريات وغيرها من العلامات التي وقعت.
    ثانيا: خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي مجرد خطة صهيونية والتي لا اعرف ماهو هدفها لا سيما ان الاتحاد الاوروبي لا يريد اللاجئين السوريين لانهم يهددون مسيحية اوروبا. ولا يمكننا ان ننسى ايضا ان لدى الاتحاد الاوروبي مصالح مع الامم المتحدة (الماسونية)

    1. وعليكم السلام،

      سؤالي لك أخي الكريم فيما يخص النقطة الأولى:
      ماذا لو لم يظهر المهدي؟ ماذا لو كانت كمية الأحاديث حوله والتي حسَّنها بعض العلماء بصعوبة لا تمت إلى الحقيقة على الإطلاق؟ ألا ترى أنَّ الأمة العربية والإسلامية بغنى عن مثل تلك الأحاديث والعلامات التي جعلتهم (مكانك سر) ينتظرون ما يمكن أن يكون وهماً؟

      بالمناسبة … علامات الساعة الصغرى والكبرى حولها الكثير من اللغط والكثير من العلماء يضعفونها، والإعراض عنها وعدم التصديق بها لن يضر إسلامك في شيء، كما أنها تبقى موقوفة ومعلقة إلى أن يُصدِّقها زمانها وتحدث.

      أما بالنسبة للنقطة الثانية … فليس لدي تعليق!

      كل التوفيق

      1. الاحاديث التي تكلم به عليه الصلاة والسلاة صحيحة اذا ختمت بسند صحيح من العلماء (اشهرهم البخاري ومسلم) فيبتغي التصديق بها حتى لو لم تظهر لانها تعتبر من وحي الله تعالى ومن لم يصدق بها بحجة انها لم تظهر او لم يصدقها العقل فهذا يعتبر تكذيب او نفي ما اوحى به تعالى تعالى لرسوله محمد عليه الصلاة والسلام (والذي نعوذ ان نكون منهم).
        انصحك بمشاهدة هذه الفيديو من علي العمري حفظه الله تعالى مع بقية الأئمة لنا الذي سيؤكد ما اقوله لك ان شاء الله:
        https://www.youtube.com/watch?v=ilqRYlozu4A&index=4&list=PLHdarnlSj4ZmTgoQ8vf9PKeCCgTTohsQi
        وانصحك ايضا بقراءة كتاب نهاية العالم للعلامة محمد العريفي.
        بالتوفيق ان شاء الله

        1. الإمام الألباني ضعَّف ٦ أحاديث في البخاري، وأحاديث الآحاد ليست حجة في الإسلام إن لم يكن هناك ما يدعمها من نصوص قرآنية، كما يمكن ردها إن لم تكون من أصول الدين المتواترة، والمهدي لم يُذكر في البخاري ومسلم، وأحاديثه كلها آحاد كما أنه ليس من أصول الدين القطعية.

          كل التوفيق

          1. العريفي: صحيحي البخاري ومسلم لم تجمع احاديث النبي محمد عليه الصلاة والسلام، ورواة السنة غير البخاري ومسلم هم محققون وللعلماء طرق في تمييز بين ما اذا كان الحديث قوي او ضعيف. واذا صح الحديث من الواجب اخذه (حتى لو ضعفه امام اخر) وبالنسبة للبخاري ومسلم رووا احاديث المهدي بصفته دون النص على اسمه.
            المصدر: نهاية العالم
            وبالنسبة للمهدي.. فاغلب العلماء اجمعوا على وجوده.

          2. وبالنسبة للعمل انا اعرف انه مهم جدا وهي لها علاقة وثيقة جدا بالايمان لكن المشكلة انها
            اولا تاتي من الدولة: قلة الوظائف واستعمال الواسطة ليوظفوك وصعوبة الدخول الى الجامعات والى اخرها..
            ثانيا تاتي من الشخص: كاللذي يريد ان يصبح طبيبا او مهندسا ولا يريد ان يرفع سقف احلامه وهم اصحاب الطموح الالدنيء فاذا لم يجدوا الوظيفة التي لم يريدونها (وهم اصحاب الاغلبية) فما اللي يمكن ان يفعلوه؟ والاسوا ان هذا يعتمد على التربية؛ لان الاب اراد ولادة الطفل ليكون لهم سمعة (وهم الاغلبية للاسف) عن طريق تقليل مساحة الحرية في الطفل كاجبارهم في الطفولة على اشياء مهمة يجب الطفل ان يفعلها (كالمذاكرة) بالضرب او المعاملة بجفافية حتى يفعلوا مايريده الاباء وهذا يصغر من عقلهم ويجعلهم تبعية لغيرهم وضعفاء الذات!
            ملاحظة لكل من يقرا هذا التعليق وعاش ظروف ابوية سيئة فهذا لا يعني ان لا تبر بوالديك بل افعل ذلك حتى يوفقك الله ((وبالوالدين احسانا)) واعلم ان بعد العسر يسر.

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *