تخطى إلى المحتوى

خلعته.. فاسترحت!

خلعته.. فاسترحت!

لم تكن هي السيدة الأولى التي ألتقيها بعد خلعه، فتلك قد أصبحت ظاهرة منتشرة ولها أثر قوي يزداد يوماً بعد يوم، لكنها كانت الأولى التي ألتقيها في بلد عربي مسلم، حيث أنه من المفترض أنَّ البلد المسلم يُهيِّئ كل السُبل الممكنة لبقائه على رأسها، ولكن على ما يبدو أنَّ البيئة وحدها لا تكفي!

لم يتركني الفضول صامتاً عندما رأيتها أول مرة من دون حجاب، فعندما نظرت إليها من الخلف.. اعتقدت أنها سيدة أجنبية، وعندما استدارت ورأيت وجهها.. أظهرت انبهاراً على الفور! فهي نفس السيدة التي كانت بالأمس تغطي شعرها، وأحببت أن أتحدث معها حول ما طرأ على حياتها من تغيير، ولحسن الحظ أنها لم ترفض التحدث بالأمر. فقد أحببت أن أجري معها حديثاً حضارياً حول الأسباب التي دفعتها لذلك، لأني أريد أن أفهم الأسباب الإجتماعية وطرق التفكير التي تدفع البشر لاتخاذ قرارات جريئة ومصيرية، فهنا تكمن الفائدة.

السؤال الأول كان ببساطة عن السبب الذي دفعها لارتداء الحجاب، هل كان إكراهاً من أهلها أو زوجها؟ أم تأثراً بمحيطها الذي تعيش فيه؟ أم كان طفرة إيمانية كما هو الحال مع كثير من السيدات؟

فأجابت: لبسته قبل الزواج.. بالتحديد خلال الدراسة الجامعية، وكان ذلك بعد أداء مناسك العمرة بصحبة والديَّ، ولم يدفعني إليه أحد. عندما استيقظت في اليوم التالي في مكة المكرمة شعرت أنها اللحظة التي يجب فيها أن ارتديه، على الرغم من أن والدتي لم ترغب بذلك، فقد كانت تُفضِّل أن أتروَّى في ارتدائه حتى يدوم.

فسألت: هل كنتِ وقتها تعتقدين بفَرَضيته كشعيرة إسلامية قد يعاقبك الله على تركها؟

فأجابت: نعم، فقد كنت دائماً أرى نفسي مُقصِّرة، لأنٍّ والدتي محجبة وفي قرارة نفسي هذا التزام لابد من الوفاء به.

فسألتها: إذا كان هذا هو اعتقادك.. إذاً ما الذي تغير؟

فأجابت: بدأت أشعر أنه يخنقني.. بدأت أشعر أني مضغوطة منه، وفقدت الشعور بالراحة أثناء ارتداءه.

فسألتها: كم المدة التي بقي فيها الحجاب على رأسك؟

فأجابت: أربع سنوات.

فسألتها: بما أنك خلعتيه، ألا ترين أنَّ اعتقادك بالحجاب قد تغيِّر خلال هذه السنوات الأربع؟ أم مازلت تعتقدين بفَرَضيته؟

فأجابت: نعم، فقد بحثت بنفسي في اليوتيوب عن مكانته في الإسلام، وقد تفاجأت بآراء كثيرة لعلماء مسلمين لا يرون فرضيته، وأنه لا يوجد دليل عليه حتى في القرآن الكريم.

فسألت: هل لك أن تسمي لي عالماً واحداً من هؤلاء؟

فأجابت: فلان وفلان..

فقلت: هؤلاء ليسوا علماء! ولا حتى يمكن إدراجهم تحت فئة الدعاة وإن ظهروا على شاشات التلفاز وتَغنَّوا بـ (قال الله) و (قال الرسول)، فهم لا يحملون أي درجة علمية في العلوم الشرعية وليس لهم أي مرجعية تتلمذوا عليها.. فقط قراءات خاصة وتخيلات بأنَّ ما خلصت إليه عقولهم هو الحق! وكل آراءهم مبنية على أهواء ذاتية وهرطقات ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تعكس روح الشريعة الإسلامية لا من قريب ولا من بعيد.

قالت: قد لا يكونون علماء.. ولكن آراءهم مُقنعة! وقد بدأت أشعر بضغط نفسي تجاه الحجاب بعد الإستماع إليهم، ومادام الحجاب غير مطلوب في الإسلام.. فلماذا أرتديه ولم يأمرني به الله؟!

فسألتها: بما أنك متزوجة حديثاً، فأنا متأكد من أنَّ زوجك لم يكن لديه أي مشكلة مع حجابك، وسؤالي.. ماذا كانت ردة فعله عندما تخليتي عن حجابك؟

فأجابت: زوجي رجل ملتزم ويصلي فروضه الخمسة ولا يقطعها، ولم يكن لديه أي مشكلة مع حجابي، وعندما قررت خلعه قال لي: الخيار خيارك، وأنا أدعم أي قرار ترينه مناسباً لك.

فسألتها: هل تعلمين أنَّ أولئك الذين استمعتِ لآرائهم حول عدم فرضية الحجاب، كانوا دائماً موجودين ويرددون هذه الآراء منذ عشرات السنين؟

فأجابت: ربما.. ولكن ما علاقة هذا بالأمر؟

فقلت: العلاقة أنهم لم يلفتوا انتباهك عندما كان اعتقادك في فرضية الحجاب راسخاً، ولكن عندما بدأ ذلك الإعتقاد بالإهتزاز.. بدأتِ تلتفتي لهم وتُعيريهم إهتمامك، وإلاَّ.. لما حَظوا بعقلك مهما علا صوتهم!

قالت: ربما..

فسألتها: كيف تنظرين الآن للمُحجبات بعدما أصبحتِ غير مُحجبة؟

فأجابت: أشفق عليهن.. ولكن أحترم إختيارهن وليس لدي أي مشكلة معهن.

فسألتها: صفي لي شعورك في أول مرة خرجتِ من منزلك من دون حجاب؟

فأجابت: كان شعوراً غريباً.. أقرب إلى الخوف أو الرعب، ولكن ما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى شعرت براحة كبيرة لم أشعر بها منذ سنين!

فسألتها: دعيني أسألك سؤالاً مهماً.. تخيلي لو كنت تعيشين في محيط يعجُّ بمسلمات محجبات، يتمتعن بشهادات عُليا وأخلاق عالية ومراكز مرموقة في المجتمع، كما يتمتعن برشاقة وبشاشة ورائحة زكية، وحيوية ونضارة وإبتسامة لا تُفارق وجوههن، هل كنت سترغبين بصحبتهن؟

فأجابت: بالتأكيد!

فسألتها: هل كنت ستفكرين بخلع الحجاب بين تلك الثلة من السيدات؟

فأجابت: سؤال مُحيِّر.. بل مُحيِّر جداً.. فالحقيقة لا أدري..

فقلت لها: أريدك أن تجاوبي بـ (نعم) أو (لا).. حاولي أن تفكري قليلاً وأعطني جواباً.

فأجابت: لا.. غالباً لن أفكر بخلع الحجاب!

فسألتها: ألا تتفقين معي بأنَّ المجتمع هو السبب الرئيسي وراء خلعك للحجاب؟

فأجابت: لا أعتقد.. لا أستطيع الجزم بذلك، فأنا لدي صديقات محجبات وأخريات متبرجات، وصديقاتي المتبرجات لم يُلمِّحنَّ لي في يوم من الأيام بأني يجب علي أن أخلع حجابي أو ما شابه.

فقلت لها: التأثير القوي غالباً ما يكون صامتاً من دون كلمات، وما قصدته بالمجتمع ليس محصوراً في صديقاتك.. بل بكل ما يُحيط بك من أشخاص وإعلام وكتب وغيرها من الأمور التي تبني المبادئ أو تهدمها.

ثم سألتها: هل لديك اليوم أي مشكلة مع الإسلام كدين؟ هل تعتقدين أنك قد تخرجين منه في يوم من الأيام؟

فأجابت وهي مصدومة من سؤالي: أعوذ بالله.. بالتأكيد لا! ولا يخطر حتى على بالي مثل ذلك الأمر. ما الذي دفعك لمثل ذلك السؤال؟!

فأجبتها: لا شيء.. فقط مجرد سؤال، لكن إسمحي لي أنَّ أشاطرك ما يجول في خاطري، فقد أفصح لك عن السبب وراء هذا السؤال.

فقالت: تفضل.. أحب أن أسمع رأيك..

فسألتها: ألا ترين أنَّ المجتمع (الشيطان) له يد في ما قد حلَّ بحجابك؟ ألا ترين أنه قد تمكَّن منك؟

فأجابت: على الإطلاق، فهذا قراري الخاص الذي أرغب به، فبعد خلع الحجاب أصبحت أشعر أني أقرب إلى الله، حتى أصبحت متسالمة مع ذاتي وأكثر تصالحاً مع نفسي، وأصبحت أجتهد في الصلاة والصوم والعبادات الأخرى.

فقلت لها: بإجابتك هذه قد أكدتِّ لي أنَّ ما حل بك ما هو إلاَّ من إيحاءات شياطين الإنس والجن! وهذا بالضبط ما يقوم به إبليس عندما يريدك أن تتركي شعيرة ما.. فيُقبِّحها في نظرك ويُجمِّل لك أخرى، فاليوم نجح في إقناعك أنَّ الحجاب تخلُّف وعائق للتقدم وكاتم للحرية وليس له أصل في الإسلام، وغداً سيُقنعك بأمور أخرى إلى أن يهدم أركان الإسلام في حياتك ركناً تلو الآخر، إلى أن تُصبحي في نهاية المطاف تائهة بلا دين!

فقالت: هذه مبالغة كبيرة يا حسين! لا أعتقد أنَّ الأمر كما تقول، القضية بكل بساطة أني أريد أن أقوم بما يأمرني به الله من دون أن أُثقل نفسي بما لم يأمرني به.

فسألتها: دعيني أسألك آخر سؤال، لكن فكري فيه جيداً وأجيبي بتروي.. ماذا لو انتابك نفس الشعور تجاه الصلاة؟ ماذا لو أصبحتِ تشعرين بثقل تجاهها؟ ماذا لو خرج علينا أشباه دعاة يقولون بأنَّ الصلاة غير مذكورة في القرآن، وأنَّ كل كلمات الصلاة الواردة فيه المقصود بها الصلاة المعنوية النابعة من القلب من دون تحريك الجسد، وأنَّ ما يقوم به المسلمون اليوم من ركوع وسجود ما هو إلاَّ تخلُّف وفهم خاطئ للصلاة الحقيقية التي أرادها الله، ماذا ستفعلين وقتها؟

فأجابت: لن أقتنع ولن أستمع لهم.

فسألتها: ألم يكن هذا الحال منذ سنوات عندما كنتِ تؤمنين بفرضية الحجاب؟ حاولي أن تتذكري، وإلاَّ.. لما شكَّل هاجساً لك بضرورة ارتداءه، ولما وضعتيه على رأسك.

فأجابت: الحجاب شيء مُختلف لا يُقارن بالصلاة.

فقلت لها: أتفق معك أنَّ الحال كذلك.. إلى أن يحدث أمر ما..

فسألت: ما هو ذلك الأمر؟

فأجبتها: اللحظة التي سيتم فيها محاربة الصلاة تماماً كما تمت محاربة الحجاب، وقتها فقط.. سينتابك شعور عدم الراحة في أدائها.. تماماً كما انتابك ذلك الشعور تجاه الحجاب!

*** إنتهى ***


أرجو الإنتباه إلى أنَّ المقال ليس دعوة إلى ارتداء الحجاب أو خلعه، إنما هو محاولة للفت الإنتباه إلى أفعالنا.. هل هي لوجه الله أم لوجه البشر؟
close

مرحباً 👋 سعيد بوجودك هنا

قم بالتسجيل ليصلك أفضل محتوى على بريدك الخاص

9 أفكار بشأن “خلعته.. فاسترحت!”

  1. راااائع هذا المقال ولقد. كمت أفكر في نزع النقاب ولكنني الان انتبهت لفكري فهو يقارب فكرتها …جزاااك الله خيرا

    ……..شكككككرا لك.

  2. ذكاء منك هذا الحوار .. كنت أتوقع أن تعدل المرأة عن خلع الحجاب في آخره .. حاربتَ فِكرها بفكرها لكنها لم تقتنع .. نسأل الله لنا و لها الهداية

  3. قرأت المقال بعناية ولكن أخشى أن الكثيرون سيمرون على البوست فيتصورون أنه دعوة لخلع الحجاب عكس المقال الممتع والذي يتخوف من تأثير المجتمع الضار على نظرتنا للأشياء.
    ربما لو تم تغيير العنوان بدلا من خلتعه فاسترحت! والاكتفاء بعلامة التعجب (والتي لن يُعيرها الكثيرون الاهتمام إلى عنوان يُعطي انطباعا أكثر وضوحاً لمحتوى المقال مثل : خلعته فاسترحت! حقيقة أم خيال…

  4. الله يهديهم بنات هالايام بتكون متحجبه بعدين صارت تلف الحجاب بدون دبوس… بعدين صارت تحطه على رأسها ونص شعرها مبين… وآخر شي بتطلع بدونه… سبحان الله شوي شوي مش مره وحده….

  5. نحن أصبحنا امة متخلفة عندما تركنا الدين وراء ظهورنا ولهثنا وراء الحضارة .. نعم الاسلام لايمنع العلم ولا التطور ولكن هو الأساس ..وكل الصحابة والخلفاء الراشدين تخرجوا من مشكاة واحدة هي مشكاة الدين الذي فتح لهم آفاق الدنيا ..وسيدنا عمر رضي الله عنه له مقولة شهيرة: “نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ..فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله “

  6. لا حول و لا قوّة إلاّ بالله. الغريب في الأمر أنّها لم تلتفت إلى أهم شيئ أراد الأخ حسين، على حسب رأيي، لفت إنتباهها إليه. و هي سياسة التدرج في ترك الفرائض بل و النفور منها.
    “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ”
    صدق الله العظيم

  7. لي لك سؤال يا اخ حسين لماذا نحن المسلمون أمة متخلفه وضعيفه ومتواكله على الغرب الكافر حسب اعتقادكم الم يخطر ببالك أن هناك مشكله سببها الحكام مع الفقهاء الذين يدعون الفهم كله في الشريعه وغير الشريعه وأصبحوا هم فقط العقل المفكر وبقية الشعب لا يجوز أن يفكر
    الم تعلم أن هناك ما لا يقل عن 23% من الشباب المسلم يتجه إلى الإلحاد وذلك نتيجة الخطاب الديني الخاطأ
    وحصر الدين كله بمراقبة المرأه وحجابها وان المرأه فقط للمتاع .
    اخ حسين هل يكفي لكي نفهم الدين الإسلامي الحنيف بدراسته في المدارس الشرعيه فقط ولا يخفى عليك أن كتابىالله يحوي عل علوم الفيزياء والرياضيات وعلم الفلك وعلم الجيولوجيا وكذلك علم الهندسة هل سيدنا عمر رضي اللهوعنه الذي حرر بلاد فارس ونشر العدل وحافظ على أهل الكتاب تخرج من مدارس شرعيه وكذلك سيدنا عثمان الذي فتح أفريقيا
    أتمنى عليك أن تقرأ كتاب الله بعيونك انت وليس بعيون الفقهاء القدامى وبعرف الآن وليس بعصر الأمويين والعباسيين وأعلم أن المعرفه اسسرة ادوتها وان الإعجاز القرآن هو بثبات النص وحركة المحتوى وحسب كل زمان وعصر وهناك الكثير ولكن اكتفي بهذا القدر بكلامك معو هذه الفتاة ضيقت واسعا…والسلام

  8. بدأت حملة ضد الصلاة حقا
    حملة القرآنيين الذين ينكرون السنة
    اللهم لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك سلطانا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.