تخطى إلى المحتوى

بل الفاجر القوي!

لا يخفى على العاقل اليوم أنَّ الملة الإسلامية أصبحت سلعة تُباع وتُشترى في الأسواق الإنتخابية، فينال بها البائع قلوب العامة .. المعهود عليهم الطيبة والتوقير لكل ما هو إسلامي من جهة، ومن جهة أخرى الجهل بحقيقة ما يحتاجونه مع إغفال كبير لأولوياتهم، وعندما يصل رئيس إسلامي إلى الحكم، يتغاضى أصحاب الفتاوى الشرعية عن ضعف رئيسهم وخواره الذي إتخذوه إماماً في سبيل لحية وصلاة فجر وجماعة، ضاربين بعرض الحائط فتاوى علماءهم الكبار ممن سبقوهم والتي تنص على ضرورة حفظ الإسلام والمسلمين.

سُئل الإمام أحمد بن حنبل عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يُغزى؟‏ فقال:

( أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف، فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيُغزى مع القوي الفاجر ) [1]

وذلك لعلم الإمام رحمه الله أنَّ خصلتا القوة والتقوى قلما تجتمعان في رجل واحد، فالقوة للأمة أولى من التقوى للنفس، ولذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:

( اللهم أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة ) [2]

لأن الفاجر دوماً جلدٌ قوي، والثقة التقي غالباً ما يكون ضعيفاً وليس أهلاً للقيادة.

لذلك كره رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاية الضعيف وإن حسُن إسلامه، فعندما سأل الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري رضي الله رسول الله الولاية، قال له رسول الله:

(( يا أبا ذر، إني أراكَ ضعيفاً وإنّي أحبّ لكَ ما أحِبّ لنفسي، لا تأمّرَنَّ على اثنينِ ولا تَولينّ مالَ يتيمٍ )) [3].

وقال أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم:

(( ‏إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر )) [4].

فالفسق والفجور من خلال الميل إلى الشهوات هي من القضايا الفرعية في الشريعة الإسلامية وليست من الأصول المُخرجة من الملة، ويبقى الفاعل آثماً وسيُحاسبه الله سبحانه وتعالى لا ريب، ولكن الأصل التفكير في قوة الأمة وبقاءها وليس تقوى وليِّها وورعه.

السؤال المهم، لماذا أنا اليوم كعربي مسلم قد أدعم حزباً ذو شعارات إسلاميه على حساب آخر شعاراته عَلمَانية؟

الجواب: عندما أتقدم بصوتي في الإنتخابات إلى حزب أو تكتل إسلامي، فأنا أتوقع من هذا الحزب مسألتين غاية في الأهمية مقابل هذا الدعم:

  1. إقامة الشريعة الإسلامية.
  2. توحيد الأمة وإعادة الخلافة الإسلامية الراشدة.

لكن يؤسفني عزيزي القارئ أن أعترف لك بأن كلا المسألتين لا يمكن حدوثهما على الإطلاق، لا اليوم ولا غداً إلى أن يشاء الله وفقاً للواقع الحديث والنصوص الثابتة، والحالة التونسية والليبية والمصرية والمغربية خير دليل على ذلك، حتى الحالة التركية، كلها دول حظيت بحكومات وبعضها برؤساء ذوي توجه إسلامي، ولكنهم ماذا استطاعوا أن يقدموا سواء في مسألة إقامة الشريعة أو إعادة الخلافة؟ لا شيء!

اليوم يعيش العالم تحت سطوة إمبراطورية الرأسمالية ومقرها الولايات المتحدة، وشئنا أم أبينا هذه الإمبراطورية هي التي تحكم العالم وتُسيِّر أموره ولا مفر من ذلك، وأنشأت الرأسمالة منظمة الأمم المتحدة ومواثيقها حتى تُحكم سيطرتها على العالم، فلو قام اليوم رئيس دولة إسلامية، ولنقل على سبيل المثال الرئيس المصري د. مرسي بإقرار قانون رجم الزاني المُحصن، مباشرة سيتم تعنيفه من جميع دول العالم قاطبة ولن يقدر على الإستمرار، وسيكون عدو الإنسانية الأول وستنتهي أسطورة الدولة الدينية إلى الأبد والتي لم تبتدأ من الأصل، وكلنا يعلم – بالصوت والصورة – آراءه التي تغيرت عندما وصل إلى سدة الحكم، وأصبح يتعامل مع المنظومة الدولية التي لا مفر منها.

ما الذي رأيناه من جميع هذه الحكومات الإسلامية في غضون عامين من الحكم؟ السعي وراء تطمين الدول العظمى بأنهم مسلمون معتدلون ( أي أنهم لا يُطبقون أحكام الشرع ) وأنهم يرغبون في سلام مع العدو ( أي استمرار ضياع الأراضي المحتلة ).

إذاً هم كغيرهم من الليبراليين والعَلمَانيين .. ولا يُرجى منهم أي فائدة تُذكر فيما يخص تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

فيما يخص هذه النقطة، دعونا نسأل أنفسنا وبصراحة، ما الذي نريده حقاً من تطبيق الشريعة؟ رجم الزاني وقطع يد السارق؟ أم إعتقال المسلمين الغير مُصلين في شوارع الدولة وقت إقامة الصلاة؟ أم إجبارهم على إطلاق اللحى والنظر إليهم بازدراء إذا ما حلقوها؟ أم ضرب المرأة بالخيزَران على قدميها إذا كانت متبرجة؟ أم الهجوم على المقاهي والخمارات لتكسيرها؟ هل هذه هي هموم المسلمين؟ هل هذا ما نريده حقاً؟

أم أنَّ همومنا الحقيقية تكمن في تطبيق جوهر الإسلام من أجل:

  1. إيجاد الحكم العادل والدولة النزيهة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ } سورة المائدة من الآية 8.
  2. بناء مجتمع متساوي في الحقوق والواجبات أساسه الكفاءة: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } سورة الحجرات من الآية 13.
  3. بناء مجتمع يتمتع بالأخلاق العالية: { وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ } سورة البقرة من الآية 129.
  4. بناء مجتمع رحيم متسامح متواضع: { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً } سورة الفرقان الآية 63.
  5. بناء مجتمع حُرّ الإعتقاد، كل جماعة تعود إلى ملتها في العبادة والنكاح والمواريث: { فَمَنْ شاءَ فَلْـيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْـيَكْفُرْ } سورة الكهف من الآية 29.
  6. تكريم البشرية بالإستفادة من مواردها والطيبات التي وهبها إياها الله سبحانه وتعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ } سورة الإسراء من الآية 70.
  7. بناء مجتمع واعي يَعلم عِلماً رصيناً ويفهم فهماً يُجنبه التقليد: { هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } سورة الزمر من الآية 9.
  8. بناء مجتمع عامل متوكل غير متواكل: { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ } سورة التوبة من الآية 105.

لماذا أذكر هذه المفارقة بين ما نريده نحن كأمة وبين ما يريده غيرنا؟ لأن الأحزاب الإسلامية لن تُفلح في تطبيق الإحتياجات الحقيقية للأمة، بل ستسعى إلى تطبيق ما هو سهل وظاهري فقط وتحت مُسمى الشريعة كمحاربة التبرج والسفور والخمور .. دون الإلفتات إلى الأمور الكبيرة حقاً كالتي ذكرتها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

( أن عاقبة الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة ولهذا يُروى‏:‏ ( ‏الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة ) [5].

ماذا لو جاءنا نظام آخر – غير إسلامي – قادر على تحقيق جُلِّ مطالبنا؟ نظام القائم عليه حليق فاجر يحتسي الخمر ولا يُصلي، لكن دولته تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والقضاء فيها عادل دون تمييز، وتسمح بحرية الإعتقاد، والإحترام أساس التعامل، وتسمح للملتحين والمحجبات بالعمل بحرية، والجميع تحت مِقصَلة القانون .. إلخ، هل نقبل به؟ أم نُصِّر على شعار السيفين والقرآن .. بينما الظلم باسمهما ينتشر في كل مكان؟

فقط إسأل نفسك!

أما فيما يخص النقطة الثانية حول إعادة الخلافة، فقد روى النعمان بن بشير رضي الله عنه حديثاً مهماً جداً فيما يخص هذا الأمر، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال:

(( تكونُ النُّبُوَّةُ فيكم ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ خلافةٌ على مِنهاجِ النُّبُوَّةِ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ مُلْكاً عاضّاً، فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً فيكونُ ما شاء اللهُ أن يكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ تعالى، ثم تكونُ خلافةً على مِنهاجِ نُبُوَّةٍ، ثم سكت )) [6].

تفسير الحديث:

  1. زمن النبوة: هي فترة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والتي كانت مدتها ثلاث وعشرون سنة.
  2. زمن الخلافة على منهاج النبوة ( الأولى ): هو زمن الخلافة الراشدة للعظماء الأربع: ( أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ) رضي الله عنهم أجمعين والتي كانت مدتها ثلاثون سنة.
  3. زمن المُلك العاضّ: هو حكم يعضّ فيه أهل القبيلة الواحدة على الحُكم بخبث وشراسه، ويُصيب الناس فيه ظلم وتعسف تماماً كما حدث في زمن الدولة ( الأموية 92 عام ) و ( العباسية 524 عام ) و ( العثمانية 624 عام ) حيث عضَّت كل عائلة على الحكم بأسنانها وأظفارها لأطول مدة ممكنة، وهو زمن أسوأ من الذي قبله وأفضل من الذي يليه.
  4. زمن المُلك الجبري: هو حكم يجمع فيه من سوء ما كان قبله – المُلك العاضّ أو العضوض – من خبث وشراسه ويزيد عليه الحكم بالقوة والجبروت والدكتاتورية والعتو والقهر من خلال الأمن والمخابرات والكلاب البوليسية، وهذا ما أصابنا اليوم ونتجرع مرارته في كل نهار تطلع فيه الشمس.
  5. زمن الخلافة على منهاج النبوة ( الثانية والأخيرة ): المراد بها زمن عيسى عليه السلام حينما يبعثه الله إلى الأرض خليفة على المسلمين، ومن المهم إدراك حقيقة أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يُعطي الخلافة على منهاج النبوة للعُصاة المُحدِثين المُغيرِّين والمُعطِّلين لدينه، وما حدث في إيران أو أفغانستان أو غيرها من الدول من إعلان لقب الخليفة على أميرهم فما هذا إلاَّ من العبث بشريعة الله وعقول المسلمين، وما يؤكد لنا أيضاً أنَّ هذه الخلافة الثانية لن تكون إلاَّ لعيسى عليه السلام، هو حدوث أغلب علامات القيامة الصغرى فيما عدا إنحسار الفرات على جبل من ذهب وخروج المهدي المنتظر، إذ لم يتبقى سوى هاتين العلاميتن وبعدها تبدأ علامات القيامة الكبرى والتي عيسى واحد منها.

بناءاً على ما تقدم أقول:

  1. أي تيار إسلامي أو غير إسلامي يأتي اليوم إلى الحكم، هو جزء لا يتجزأ من منظومة ( المُلك الجبري )، ولا يمكن التغاضي عن هذه الحقيقة بأي حال من الأحوال.
  2. ما دامت الخلافة لن تقوم لها قائمة إلاَّ بنزول عيسى عليه السلام إلى الأرض، إذاً وجب على المسلمين التحلي بالعقل والحكمة والتوقف عن طلب هذا الوهم المستحيل حدوثه، ووجب على تجَّار الملة الإسلامية التحلي بشيء من مخافة الله والعلم الشرعي ليتوقفوا عن المناداة بتطبيق الأحكام المستحيلة وإعادة الخلافة واستعمالها كطعم لاستدراج عامة المسلمين.
  3. كل التيارات الإسلامية السياسية يجب عليها التوقف عن إستخدام الإسلام كرمز للدعاية الإنتخابية، وأولى بهم ترك القشور والتركيز على جوهر الإسلام.

ختاماً أقول أننا نحن المسلمون اليوم لا نكره أن يجمع الله لنا ما جمع لنبيه وصحابته الكرام من خيريَّ الدنيا والآخرة، إمام تقي قوي، وشريعة حنيفية مُطبَّقة، وأمة حرة عاملة تبتغي وجه الله، ولكن الواقع يشهد بأنَّ هذه الشريعة لن يقوى على حملها وتطبيقها من هم بيننا اليوم، كما لا يوجد بيننا قادة أقوياء أتقياء يبتغون وجه الله، وليس لدينا أمة عاملة بما أمر الله، فالمعادلة مختلَّة تماماً، والواجب علينا اليوم كأمة إسلامية تقرأ وتفهم أن تُسدد وتُقارب بين ما هو واجب وما هو مُستحب، ذلك أسلم لنا ولديننا.

دمتم بخير.


* المصادر:

[1] مجموع فتاوى ابن تيمية، الجزء الثامن والعشرون: الحسبة، صفحة 63.

[2] مجموع فتاوى ابن تيمية، الجزء الثامن والعشرون: السياسات الشرعية، صفحة 254.

[3] صحيح مسلم 1826، صحيح الجامع للألباني 7825، صحيح النسائي 3669، صحيح أبي داود 2868.

[4] قال أبو هريرة رضي الله عنه: شهِدْنا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حُنَينًا، فقال لرجلٍ ممن يُدْعَى بالإسلامِ (( هذا مِن أهلِ النارِ )) فلما حضَرْنا القتالَ قاتَل الرجلُ قتالًا شديدًا فأصابَتْه جراحةٌ، فقيل: يا رسولَ اللهِ الرجلُ الذي قلتَ له آنفاً (( إنه مِن أهلِ النارِ )) فإنه قاتَل اليومَ قتالًا شديداً وقد مات، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم (( إلى النارِ )) فكاد بعضُ المسلمينَ أن يَرتابَ، فبينما هم على ذلك إذ قيل: إنه لم يَمُتْ، ولكنَّ به جراحًا شديداً، فلما كان منَ الليلِ لم يَصبِرْ على الجراحِ فقتَل نفسَه، فأخبَر النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذلك فقال: (( اللهُ أكبرُ، أشهدُ أني عبدُ اللهِ ورسولُه )) ثم أمَر بلالاً فنادى في الناسِ (( إنه لا يدخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مسلمةٌ، وإنَّ اللهَ يؤيدُ هذا الدينَ بالرجلِ الفاجرِ )) صحيح مسلم 111.

[5] مجموع فتاوى ابن تيمية، الجزء الثامن والعشرون: السياسات الشرعية، صفحة 255.

[6] حديث حسن، مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي بتحقيق الألباني 5306.

close

مرحباً 👋 سعيد بوجودك هنا

قم بالتسجيل ليصلك أفضل محتوى على بريدك الخاص

5 أفكار بشأن “بل الفاجر القوي!”

  1. مقال مفيد جدا . واضيف بان المهمة اللولى للحاكم ان يوفر الامان والمعيشة الكريمة وحرية المعتقد للجميع وهذا لايتحقق الا بالحاكم القوي. وعندها وفي هكذا ظروف سينتشر الاسلام والاخلاق الاسلامية . فالاسلام لايحتاج الى دولة لكي ينتشر فهذه اكبر دولة اسلامية ، دخلها الاسلام عن طريق التجار فقط ، وكان رسول الله عليه السلام في بداية دعوته يطلب من حكام قريش ان فقط خلو بيني وبين الناس

  2. سلمت يداك أخ حسين على هذا المقال الرائع
    و لكن لدي ملاحظتين :
    فأنا مؤيد لنظرتك للأمور على تقديم الفاجر القوي على الامين الضعيف ، و الأصل تواجد صفتي القوة و الامانة لدا صاحب هذا المنصب لقول يوسف لعزيز مصر ” اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ” ، و قول ابنة شعيب ” يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الامين” و في حال عدم توافر إحدا هاتين الصفتين يقدم الأقوى و هذا ما ذكره الامام ابن تيمية في السياسة الشرعية
    و لكنك ذكرت نقطة وهي : ( لماذا أنا اليوم كعربي مسلم قد أدعم حزباً ذو شعارات إسلاميه على حساب آخر شعاراته عَلمَانية؟ )
    فأنا لي وجهة نظر مغايرة منه هذه الناحية و هي ؛ أن الشعوب لها أن تختار الأصلح و الأتقى ، أما الأقوى فمهمة اختياره تكمن في النخبة ، بمعنى آخر أن الناس تحكمهم العاطفة لذلك حكمها على الظاهر فلا تستطيع أن تختار الأقوى و الأقدر لجهلها و سيطرة العاطفة عليها ، اما النخبة من السياسيين و أًحاب العلوم و المثقفين فهم الاقدر باختيار الرجل الأقوى سياسيا ، و لعل هذا من عيوب الديمقراطية و هي ايصال غير الاكفاء إلى سدرة الحكم و الرئاسة
    يعني بمعنى آخر وصول هؤلاء الأشخاص إلى الحكم هو عيب الاحزاب الاسلامية و ليست عيب الشعوب ، فالشعوب قامت بوظيفتها و هي اختيار من تظنه على صلاح ، و الأحزاب لم تقم بتلك الوظيفة لترشح رجل كفؤ ذو قوة و قدرة على ادرة الأمور

    أما بالنسبة لحديث النبي – صلى الله عليه و سلم – عن الخلافة ، فلفت انتباهي قولك عن الخلافة الأخيرة أنها ستكون على يدي عيسى عليه السلام و المهدي ، و هذا النص (زمن الخلافة على منهاج النبوة ( الثانية والأخيرة ): المراد بها زمن عيسى عليه السلام حينما يبعثه الله إلى الأرض خليفة على المسلمين)
    إلا أني أريد أن ألفت انتباهك إلى أن المهدي و عيسى عليهم السلام سيختمون تلك الخلافة و لن ينشؤوها لأدلة كثيرة من النقلي و منها العقلي
    أما النقلي فقول النبي – صلى الله عليه و سلم – : ” إذا نزلت الخلافة الأرض المقدسة فانتظر الساعة ”
    هذا الحديث يفسره حديث آخر و هو ” عمار بيت المقدس خراب يثرب و خراب يثرب خروج الملحمة ” ، و المعلوم أن الملحمة سيقودها المهدي كما هو وارد بالاحاديث ، و هنا يستبين أن المقصود بعمار بيت المقدس هو نزول الخلافةفيها الذي سيؤدي إلى خراب يثرب
    و أما العقلي ، فإن من سنن الله بالكون أنه لا ينصر قوما قعودا ، فإلى من يبعث المهدي ، و إلى من ينزل عيسى عليه السلام ؟!!!
    أسيؤتون في زمان كل امرئ فيه همه تجارته و أسرته و عمله ؟!!
    لا أعتقد ذلك إلا أن يكون هناك عمل من الأمة لإحياء تلك الخلافة!!! أنا لا أتكلم هنا عن عمل الأحزاب فكلها مغسول منها اليدين سواءً كان من الاخوان أو من السلفيين أو غيرهم

    و أقول أخيرا أنه لا يخفى على أحد ما جرى بالأمة عقب الغزو المغولي من هدم الخلافة الاسلامية للمرة الأولى ، و لكن ما يجعله الكثيرون أن الخلافة بقيت غائبة عن العالم الاسلامي في تلك الفترة ما يقرب ال160 عام و الأمة الاسلامية بلا خليفة فعلي ، بل كانوا ملوك و سلاطين كما نحن اليوم منذ 1258م – 1415م ، أي منذ دخول بغداد و حتى قيام الخلافة العثمانية في اسطانبول و كانوا في تلك الفترة ينتظرون النصر من الله بالمهدي كما نحن الآن إلا أن سنة الله في الكون أنه لا ينصر أمة قاعدة

    و اعتذر على الاطالة و لكن الموضوع غاية في الروعة و احتاج مني هذا التوضيح

    تقبل مروروي …

    1. مرحباً بك عمر، أشكر إجتهادك في الكتابة والإستدلال، سعيد بمرورك، فقلة من هم على شاكلتك من القرَّاء المجتهدين.

      بالنسبة للنخبة التي تختار النظام الحاكم والمُسمى بـ ( أهل الحل والعقد )، فقد تطرقت إليه في مقالي: ( هي الخيوط وإن لم ترها )، ويمكنك الرجوع إليه، وأنا من مؤيدي هذا النظام الذي أثبت نجاحه على مدى قرون عديدة، كما أنه معمول به في الغرب بشكل غير مباشر ولا يعيه العامة!

      أما بالنسبة لنقدي لحركة الإخوان، فلم يكن نقدي للشعب الذي إختار، فأنا أؤيدك بأن الشعب كانت خيارته محدوده جداً، ولكن أنا نقدي كان لمن يَعِد الشعب بالإسلام والسياسة الشرعية وهو يعلم تمام العلم أنه غير قادر على ذلك البتة. وكنت قد أسهبت في التفصيل في مقالي: ( الفَهم السَوي لمقالة: بل الفاجر القوي! )، أيضاً أنصحك بقراءتها ليتضح لك ما كنت أرمي إليه.

      أما بالنسبة لما تفضلت به عن خلافة المهدي، فأنا لي فيها رأي آخر، وهو أن المهدي لن يكون خليفة بمعنى الخلافة الشرعية التي فهمناها من التاريخ، ولكنه سيكون أميراً كما هو الحال في الإمارات الإسلامية المتفرقة كما في أفغانستان وغيرها، والسبب يعود إلى إختلاف المسلمين وقلوبهم، وكثرة الفتن العظيمة في ذلك الوقت والذي لن يسمح بإقامة الخلافة، وزمن عيسى عليه السلام بعد عودته وسيطرته على الفتن، هو الوقت الوحيد الذي سترى فيه الأرض خلافة حقيقة غير مضطربة، فالمهدي لا يمكنه أن يُقيم خلافة على المنهج النبوي في مثل وقته ووضعه الحرج جداً.

      أما حديث عمارة بيت المقدس، فليس بالضرورة أن تعني عودة الخلافة. فعلى سبيل المثال، البيت الحرام اليوم في مكة المكرمة عامر، وكذلك المسجد النبوي، فهل هذا يعني أن الخلافة قائمة؟ أو على أقل تقدير .. هل تعتقد بأن ما هو قائم في أرض الحرمين هو إمارة إسلامية؟ لا أعتقد!

      وأخيراً، أتفق معك في مفهوم الأمة القاعدة، ولكن الخلافة لن تكون على هذه الأرض من جديد بمفهومها التاريخي والشرعي إلا بعد عودة عيسى عليه السلام.

      هذا والله أعلم بما سيكون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *