تخطى إلى المحتوى

الحلقة الأولى – ما لم يكن مُتوَقَّعاً

كورونا تايم!

استيقظ خالد في الصباح الباكر ليُصلي الفجر كعادته، لم يختلف الوضع عليه كثيراً لأنه كان دائماً يُصليه في البيت بدلاً من المسجد إلاَّ ما ندر، وعندما انتهى ذهب إلى المطبخ ليُجهز لنفسه كوباً من القهوة، ثم جلس في شرفة منزله.. فأشعل سيجارة وأخذ ينظر إلى النور يشق الأفق، كان شارد الذهن لم يهنأ في نومه ليلة أمس، فالأوضاع في العمل غير مريحة، والضغوطات النفسية كثيرة، والالتزامات المادية كبيرة.

بينما كان يُقلِّب كل تلك الأمور في ذهنه.. كان يسمع عن الكورونا التي باتت تتصدَّر نشرات الأخبار اليومية بدلاً من نشرات الإرهاب، ففي ليلة وضحاها أصبح الإرهاب ترفاً لا يكترث له أحد، فقد صبَّ العالم جل اهتمامه نحو ذلك الفيروس المَلَكي الذي بدأ يدخل كل بيت وبر ومَدَر من دون استئذان، وقد يكون لديه إذن مُسبَق.. لا أحد يعلم!

في تلك الأثناء وبينما كان غارقاً في التفكير، جاءت زوجته سارة وبيدها كوب من القهوة لتجلس إلى جانبه، فقد كانت تشعر أنَّ خالداً ليس على ما يرام من فترة ليست بالقصيرة بسبب عمله المُنهك والذي لا يُحبه، فقد كان يعمل في شركة تُعاني من تدني ثقافي كبير، لكنها أفضل الموجود له في الوقت الحالي.

نظرت إليه والحيرة تملأ عينيها لا تدري كيف تمد له يد العون..

سارة: كيف كانت ليلتك؟

خالد: كالتي قبلها

سارة: شعرت أنك نمت عميقاً هذه الليلة

خالد: كعادتك.. تشعرين بأمور ليس لها وجود!

على مضض.. التزمت سارة الصمت ولم ترد، وقد بدا عليها عدم الرضا مما سمعت من زوجها، فقد اعتادت عليه.. هذه طبيعته، وخلال ساعة سيكون خارج المنزل لتبدأ حياتها من دونه بنوع من السعادة إلى أن يعود في نهاية اليوم ويكتم على أنفاسها مرة أخرى حتى يحين موعد نومه.

أنهت قهوتها وبينما كانت تغادر الشرفة..

سارة: هل تريد أن أحضِّر لك فطوراً؟

خالد: ليست لدي شهية.. سأكتفي بالقهوة

سارة: ملابسك جاهزة في مكانها، أخبرني إن أردت شيئاً آخر، سأوقظ الأولاد لتجهيزهم للمدرسة

ذهب خالد إلى العمل والأولاد إلى المدرسة، وأشرقت الدنيا في وجهها كما هو حال كل يوم عندما تخلو بنفسها، وعلى الفور.. تناولت هاتفها الجوَّال وكتبت لصديقتها خلود على الواتساب..

سارة: لقد غادر هادم اللذات.. ماذا عنك؟

خلود: هاهاها.. زوجي بجانبي نتناول الفطور سوية، سأهاتفك عندما أفرغ

نظرت سارة إلى الجوَّال تقرأ ما كتبته خلود بشيء من الامتعاض وقالت: وكأنها سعيدة مع زوجها! هل يوجد في هذا العالم سعادة بين الأزواج؟ مُغفَّلة!

ثم كتبت لها سارة: حسناً.. سأكون في انتظارك!

مرَّت ساعة كاملة ولم تتصل خلود، فقررت سارة العودة إلى النوم مجدداً.

وصل خالد إلى العمل في حدود الثامنة صباحاً، وبينما كان يُجهِّز نفسه ليتواصل مع عملائه والرد على رسائلهم الإلكترونية، وصلته دعوة لاجتماع طارئ في تمام الساعة الثالثة عصراً دعا له مدير عام الشركة، وكان عنوان الدعوة ضبابياً غير واضح، فلم يكن في داخلها أجندة تشرح الهدف من الاجتماع.

فقام من مكتبه وأخذ يسير بين مكاتب زملائه يُسلِّم عليهم ويبادلهم أطراف الحديث ويسألهم إن كانوا يعلمون سبب هذا الاجتماع الطارئ.. لكن لا أحد يعلم! فقال أحد الموظفين أنه يعتقد بأنَّ هذا الاجتماع قد يكون بسبب ما يمر به العالم اليوم.

خالد: وما الذي يمر به العالم اليوم؟

زميله: ذلك الفايروس الذي يُسمَّى بالكورونا

خالد: وهل هناك ما يدعو للقلق من هذا الفايروس؟

زميله: ألم تشاهد الأخبار ليلة أمس؟

خالد: آخر مرة شاهدت الأخبار كان منذ يومين.. ما الذي حدث؟

زميله: لقد أعلنت منظمة الصحة العالمية فايروس كورونا جائحة!

خالد: جائحة؟ تعني وباء؟

زميله: نعم، فقد بدأ الفايروس يحصد أرواحاً كثيرة في الصين وعلى ما يبدو أنَّ الأمر بات خطيراً جداً

خالد: كيف لهم أن يُعلنوا الكورونا وباءاً وهو لا يُشكِّل تلك الخطورة على البشر؟ هذه مسرحية!

زميله: لا أعتقد يا خالد، فالأمر يبدو خطيراً والصين قد أغلقت مطاراتها وأوقفت العمل في البلاد

خالد: هذه مهزلة.. بل مهزلة تاريخية لا يمكن تصديقها!

كان بقية الزملاء يستمعون إلى الحديث الدائر والحيرة تملأ أركانهم، فلا أحد يدري ما الذي يجري.. ولا أحد يمكنه أن يفتي بأي شيء في هذا الوقت المُبَكِّر جداً!

في تلك الأثناء استيقظت سارة من نومها العميق ونظرت إلى الساعة التي تجاوزت العاشرة صباحاً، فالتقطت جوَّالها وتفاجأت عندما نظرت إليه.. كمية رسائل مهولة واردة على الواتساب من مجموعات الأمهات الخاصة بالمدرسة، فقد كاد الجوَّال ينفجر من استنفار الأمهات بسبب أخبار الجائحة وحول إمكانية إغلاق المدارس في هذه الأيام من شهر مارس.

بينما كانت سارة تقرأ السِجَالات الدائرة ضربت على رأسها وهي تقول: ماذا سأفعل بأربعة قرود في المنزل كل هذه المدة؟! يا ويلي سأنتحر!

مباشرة ذهبت تكتب لخلود: أين أنت مختفية؟ هل سمعتي الأخبار؟

خلود: انشغلت في تنظيف المنزل، عن أي أخبار تتحدثين؟

سارة: نهاية العالم.. أتحدث عن نهاية العالم.. يبدو أنَّ المدارس ستقفل قبل أوانها بسبب إعلان الكورونا وباءاً عالمياً

خلود: وباء.. يا لطيف، الله يحمينا من كل مكروه، متى حدث ذلك؟

سارة: الوباء ليس المصيبة.. المصيبة في إغلاق المدارس قبل وقتها!

خلود: هاهاها.. بالتأكيد أنت تمزحين كعادتك، أسأل الله ألاَّ تحدث مصائب

نظرت سارة إلى كلام خلود وهي تسأل نفسها: لا أدري ما المضحك فيما أقول؟ إما أنها مجنونة أو لم تعي ما كتبته لها بعد!

سارة: دعيني أتصل بالمدرسة لأتأكد من تلك الأخبار علَّها تكون إشاعة ولن يتم إغلاق المدارس.

بعد قرابة ساعتين من المحاولات، لم تتمكن سارة من الاتصال بالمدرسة، فالخطوط كانت مشغولة بشكل هستيري وكانت قد استيأست من حصول ذلك الاتصال، وبين الفينة والأخرى تكتب للأمهات على مجموعات الواتساب تسألهم إن تمكَّنت أي أم من النجاح في التواصل مع المدرسة، وكانت هناك بعض الأمهات اللاتي استطعن ذلك، لكن الجواب الذي حصلن عليه أنه إلى الآن لا يوجد توجُّه واضح ما الذي سيحدث. وكانت المدرسة تطلب من أهالي الطلبة التحلي بالصبر إلى أن يتم التواصل معهم بشكل رسمي في أقرب وقت.

حاولت سارة الاتصال بخالد لتخبره عما يحدث، لكنه لم يرد على اتصالها لانشغاله في اجتماع في تلك الأثناء، فكتبت له رسالة على الواتساب تطلب منه معاودة الاتصال بها وقتما يستطيع..

في تمام الساعة الثالثة عصراً، وبينما كانت سارة تدور في المنزل حائرة كالدجاجة المقطوع رأسها، فتح أولادها الباب (ياسمين، يارا، أحمد، ومحمود) عائدين من المدرسة، فركض محمود إلى المطبخ يتفقد طعام الغداء وهو آخر العنقود ذو الـ ٩ أعوام، بينما ذهب البقية إلى الصالة ليجدوا أمهم جالسة ووجهها مُتجهِّم..

نظرت ياسمين – البنت الكبرى ذات الـ ١٢ عاماً – إلى أمها وكأنها قد فهمت ما يدور في وجدانها..

سارة: هل صحيح ما سمعته اليوم؟

فتحت ياسمين الحقيبة وأخرجت منها ورقة من المدرسة ناولتها لأمها لتقرأها..

تناولت سارة الورقة وأخدت تقرأها وهي تضرب على رأسها.. وفي تلك الأثناء كانت ياسمين تنظر إلى يارا وأحمد لا تدري ما تقول، وإذ بمحمود يركض إلى الصالة صارخاً: أين الطعام؟ أتضوَّر جوعاً

فنظرت سارة إلى أولادها تقول: دراسة من المنزل لأجل غير مُسمَّى؟! حسبي الله عليهم ونعم الوكيل!

محمود مقاطعاً: أمي أين الغداء.. أريد أن آكل؟

سارة: أغلق فمك وكف عن الصراخ، كنت متعبة طيلة اليوم ولم أدخل المطبخ منذ الصباح، أعطني دقائق لألتقط أنفاسي وسأطلب لكم شيئاً تأكلونه من الخارج

صرخ الأولاد جميعاً: بيتزااااا

عندما عاد خالد إلى المنزل، كان البيت في حالة يُرثى لها، فقد كانت سارة تندب حظها وهي في قمة الإحباط والهلع..

خالد: ما الذي حصل؟

سارة: ألم تسمع ما الذي حصل اليوم؟

خالد: أعلنت منظمة الصحة العالمية الكورونا وباءاً عالمياً

سارة: ليس هذا ما أقصد..

خالد: ما الذي تقصدينه إذاً؟

سارة: مدرسة أولادك أوقفوا الذهاب إلى المدرسة وأعلنوا التعليم عن بُعد.. سيجلس أولادك الأربعة في وجهي طيلة اليوم!

خالد: هل هذا ما يُحزنك؟ هذه هي المشكلة؟!

سارة: أرجوك أتركني بحالي، ليس لدي طاقة الآن لمناكفتك

وما أن أنهت سارة جملتها حتى انفجر خالد ضاحكاً.. وبقي يُقهقه حتى وقع من طوله على الكنبة..

نظرت سارة إليه باستغراب: ما الذي يُضحكك؟ سأجلس في هذه الشقة التي ستتحوَّل إلى خلية نحل بأولادك الأربعة من دون خادمة.. هل لك أن تخبرني ما الذي يُضحكك؟!

نظر إليها خالد والدموع قد انهالت على وجنتيه من شدة الضحك.. فقال لها: أبشرك.. ليس فقط أولادك من سيجلسون في المنزل طيلة اليوم.. وأنا أيضاً معهم سأعمل من المنزل طيلة فترة الجائحة!


يتبع..

close

مرحباً 👋 سعيد بوجودك هنا

قم بالتسجيل ليصلك أفضل محتوى على بريدك الخاص

5 أفكار بشأن “الحلقة الأولى – ما لم يكن مُتوَقَّعاً”

  1. كارثة و مصيبة أن تشعر الأم أن بقاء أطفالها معها بالبيت وبدون خادمة عبئ وهم لا تقدر عليه وتفضل بقاءهم في المدرسة بعيدين عنها ….!!!! نعم التربية تحدي ومسؤولية كبيرة جدا وتحتاج إلى جهد وصبر …نعترف أننا مقصرين في جوانب كثيرة تجاه أولادنا …. لكن نحن من اخترنا مجيئهم إلى هذه الدنيا ….نرجو من الله أن يهيننا على تربيتهم وإيصلهم إلى بر الأمان …..فترة وتمر إن شاء الله ….
    وأنا أقرأ القصة اعتقدت أن خوفها كان من احتمالية إصابتهم وخوفها عليهم من المرض …وأحزنني الأمر أن خوفها من بقاء الجميع معها بالبيت ….!!!!
    اللهم ألهمنا الصبر والصبر والصبر حتى نجتاز هذه المرحلة ونؤجر عليها إن شاء الله تعالى وندعو الله سبحانه وتعالى أن يعافينا جميعا من كل بلاء ولا يحملنا مالا طاقة لنا به.

  2. قصة واقعية لكن ما لفت انتباهى هو ان في اول القصة قلنا ان خالد قد كان يعمل في شركة تُعاني من تدني ثقافي كبير، لكن ماتبين لي ان خالد هو الذي لا يبالي بالثقافةولا يتابعها.
    مشكور الاخ حسين على القصة نتمني ان نري الحلقة الثانية عن قريب. وانتمني لكم كل النجاح والتوفيق.

  3. بالفعل وللأسف كتير كتير واقعيه بس الحمد الله انا احلى فتره بحياتي هالفتره انا واولاد منشتغل من البيت وياريت ابوهم كمان يقعدوه معنا بس لسه للاسف ….متشوقه للحلقه القادمه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.