تخطى إلى المحتوى

الإسلام في زمن الركود

قرأت مقالاً منذ أيام في جريدة العرب القطرية بعنوان ( بين النفط وابن تيمية! ) بقلم المحاور الشهير « علي الظفيري » مقدم برنامج ( في العمق ) على قناة الجزيرة الفضائية، الذي استوحى فكرة مقاله خلال كلمة للدكتور « محمد الأحمري » في مؤتمر ( ذروة النفط ) المُنعقد في العاصمة القطرية الدوحة، ومن أهم ما تطرق له د. الأحمري هو قضية الكوادر الخليجية المُهدرة، فالدراسات في المجتمعات الخليجية حول ابن تيمية أكثر من الدراسات النفطية، وإنَّ أكثر من 60 بالمئة من شهادات الدكتوراه في السعودية عام 2005 كانت في مجال الدراسات الإسلامية، في الوقت الذي يُشكل فيه النفط أكثر من 90 بالمئة من صادرات بلد يتمتع بأكبر إحتياطي نفط في العالم وأكبر منتج له في السوق العالمية ولا يلتفت إلى دراسته وإدارته أحد!

أجمل ما في كلمة د. الأحمري ومقالة أ. الظفيري الجانب النقدي لهذا التوجه المُفرط – الغير مُبرر – إلى العلوم الشرعية في ظل غياب التخصصات الأخرى مثل النفط الذي يُعتبر الشريان الحيوي والأساسي للإقتصاد الخليجي، أضف إلى أنَّ خريجي هذه التخصصات الشرعية لم يُضيفوا أي قيمة تُذكر لقضايا البشر المعاصرة، فهم لعبوا دور التقليد بحِرَفيَّة عالية، الأمر الذي سيُشكل خطراً كبيراً جداً على منظومة الإستقرار الخليجي الإجتماعية والإقتصادية.

صاغ هذا المقال أفكاري المشتتة والتي كانت تجول في خاطري تجاه المنهجية الشرعية المعمول بها اليوم ومنذ قرون طويلة من دون أي تطوير يخدم المادة الشرعية وروحها، وفي هذا المقال – البحثي نوعاً ما – سأسلط الضوء على هذا النوع من الإقبال المُفرط والغير مُنتج، فخريجي هذه الدراسات يتقلبون بين تحريم غير مفهوم واتباع مهزوم، الأمر الذي أدى بالأمة الإسلامية إلى الكثير من الإضطرابات الإجتماعية والسياسية العويصة جداً، فلا ينقضي عقد من الزمان حتى يُصبح الحرام حلالاً ليُبقي هؤلاء الدعاة مُغردين خارج سِرب الفقه الإسلامي، وما رأيناه في الأعوام الخمس الماضية من تغيير جذري في فتاوى المشايخ والعلماء خير دليل على إدعائي، فمن جهة انغمس روَّاد الشريعة في قضايا ثانوية لا تمت للواقع بصلة، ومن جهة أخرى أسقطوا كلمة البحث الحر من قاموسهم ليستقروا في ظل عباءة القدماء ليبقى ما أقروه في زمانهم معمولاً به حتى يومنا هذا ومن دون أي مراجعة أو تنقية.

ما هي إشكالية الباحث الإسلامي بمختلف تياراته؟ في نظري هما أمران إثنان:

  1. الموضوعات المطروحة.
  2. المنهجية المُتبعة.

الموضوعات المطروحة:
أغلب القضايا التي ينشغل بها التيار الإسلامي اليوم – من دون كَلل أو مَلل – هي قضايا فرعية ولا تحتاج إلى كل هذا الجهد والتحجر والإستماتة من أجلها، فعلى سبيل المثال لا الحصر، من تلك القضايا والتي جعلوها قضايا الأمة المصيرية:

  1. المرأة ما بين الدراسة والرياضة والعمل والإختلاط.
  2. غطاء وجه المرأة ما بين الخمار أو النقاب أو الكشف.
  3. عباءة المرأة ما بين الرأس أو الكتف.
  4. إعفاء اللحية ما بين تركها على سجيَّتها أو الأخذ منها ما دون القبضة أو حلقها.
  5. التصوير ما بين رسم اليد وحبس الظل.
  6. ولاة الأمور ما بين طاعتهم والخروج عليهم.
  7. الإنترنت والتلفاز ومفاسد أدوات العصر الحديث.
  8. إثبات دخول شهر رمضان ما بين رؤيا العين واللجوء إلى المرصد الفلكي.
  9. تدريس اللغة الإنجليزية في المدارس.
  10. الزواج ما بين المتعة والمسيار والمسفار.

والكثير الكثير من القضايا التي لم تسفتد منها الأمة في شيء، وكان يكفي ثلاثة أشهر لباحثَيْن إثنين يعملا معاً لإقرار هذه القضايا الثانوية والإنتهاء منها إلى الأبد، أضف إلى أنَّ جُل هؤلاء الخريجين لم يأتوا بشيء مميز في فتواهم، فخلال هذه العقود المنصرمة كان المنهج المُتبع هو ( القص واللصق ) لما رآه الأولون مناسباً لعصرهم .. حرفاً بحرف وسطراً بسطر، وبين هذا كله تضيع روح الإسلام من جهة، ومن جهة أخرى تضيع ثروات العرب والمسلمين ليُديرها الخواجة بامتياز!

حينما تُقرر الإبحار في متون التاريخ .. لا يمكنك إغفال تقصير علماء ودعاة اليوم، فالكثير من متون التاريخ تشوبها مصائب وتكرار وحشو غير مُبرر على الإطلاق، وخريجي التخصصات الشرعية همتهم متدنية جداً تجاه تنقية هذه المصادر، فعلى سبيل المثال، كتاب ( صيد الخاطر ) لـ « أبو الفرج بن الجوزي »، كتاب قيِّم وأفكاره جميلة، ولكن المؤلف رحمه الله حشى الكتاب بمادة متكررة حتى باتت جُلَّ فصوله متشابهة، كما استهلك زُهاء الخمسمائة صفحة، ولو تم تنقيته لكان بالكثير مائة صفحة نقية ومفيدة.

المنهجية المُتبعة:
تُشكل منهجية الأبحاث الشرعية اليوم إشكالية كبرى، فعلى سبيل المثال لا الحصر:

قدسية الرموز: لقد تم بناء ( النموذج المُقدس ) لعلماء الإسلام منذ زمن الصحابة وحتى يومنا هذا، إذ يكاد النقد أن يكون معدوماً لما جاءنا من نصوص السلف الصالح، وأنا أقول ( قدسية ) وليس ( إحترام )، فالإحترام واجب لكل من يمشي على الأرض ولا خلاف عليه .. فكيف بصحابة رسول الله؟ فهم أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين ولهم منا كل الحب والإجلال لما قدموه، والنقد المقصود به هنا ليس لشخصهم الكريم .. حاشا لله، ولكن لما وصلنا عنهم والذي قد يتعارض في بعض الأحيان مع النصوص الشرعية الثابتة، إما لرأي رأوه خاص بهم وبزمانهم، أو لتدليس نُقل عنهم ولُفِّق إليهم، فبناء مثل هذا النموذج المعصوم أدى إلى نسخ متواصل أجبر المجتمع الإسلامي المعاصر على اتباع ما قد كان من دون تدقيق شرعي ومنطقي.

أجمل ما جاء في هذا الصدد القول المأثور عن الإمام « أبو حنيفة النعمان » رحمه الله صاحب المذهب، قال أبو محمد بنُ حزم:

( هذا أبو حنيفة يقول: ما جاءَ عن اللهِ تعالى فعلى الرأسِ والعينين، وما جاءَ عن رسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلم فسمعاً وطاعةً، وما جاءَ عن الصحابةِ رضي الله عنهم تخيرنا من أقوالهم، ولم نخرجْ عنهم، وما جاءَ عن التابعين فهُمْ رجالٌ ونحنُ رجالٌ ) [1].

إهدار منهج آل البيت: من المصائب التي عمت المسلمين، إمتناع العلماء المحترمين عن منهج آل البيت الكرام جملة وتفصيلاً وإهمالهم المُتعمَّد لكل رموز هذا المنهج الطاهر منذ خلافة بني أمية وحتى يومنا هذا، حتى بتنا اليوم لا نعلم من أين نأتي بنبع صافٍ لما رواه أأمة هذا المنهج؟ كيف لنا أن نفقه منهج الإمام « الحسن » و « الحسين » و « زين العابدين » و « جعفر الصادق » و « موسى الكاظم » ؟؟ هذا الإهمال والتفريط اتخذه علماء أهل السنة بشكل مُتعمد بحجة عدم فتح ملفات الفتنة بين علي و معاوية، مما أدى إلى استحواذ المجوس الروافض على هذا الإسم حصرياً ومن دون منازع! حتى أصبحنا ننفر من كل شيء مقرون بكلمة ( آل البيت )، فأول شيء يخطر ببالك عند سماع هذه الكلمة .. الشيعة الروافض .. فيهتز البدن نفوراً منهم كنفورنا من الشياطين، مع العلم أنَّ هذه حجة واهنة جداً .. وأدت إلى غياب .. بل قل إلى ضياع الحقيقة عند أهل السنة لما جرى لآل بيت محمد صلى الله عليه وسلم، أضف إلى أنَّ ملفات ( الفتنة الكبرى ) تم تناولها من بعض أكابر علماء الإسلام، بل وألفوا فيها الكتب، الإمام ابن الجوزي ألف كتاب سماه ( الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد ) والذي قال فيه ما نصه من الصفحة 10:

( ما تقولون في رجل وليَّ ثلاث سنين، في السنة الأولى قتل الحسين، وفي الثانية أخاف المدينة وأباحها، وفي الثالثة رمى الكعبة بالمنجانيق وهدمها؟ )

ظلم لا يختلف عليه إثنين من عقلاء غير المسلمين .. فكيف بالمسلمين الموحدين؟!

أنا في اعتقادي أنَّ آل بيت محمد صلى الله عليه وسلم الطاهرين قد طُمِسَت سيرتهم عمداً – خصوصاً في عصرنا الحالي – لأنها مقرونة بالثورة على الظلم وعدم الخنوع لغير الله ورسوله، الأمر الذي لا يرغب في سماعه حاكم، ولا يرغب أن يُذكر في مجلسه ومملكته على الإطلاق .. وهذا ما كان!

علم الحديث: لا شك بأنَّ ( علم الحديث ) يُعتبر من العلوم المميزة والمهمة جداً عند المسلمين، فالطريقة التي يتم بها تصحيح الحديث دقيقة جداً وتدعو إلى الإعجاب، ولكن هذا لا يمنع أنها اليوم تحتاج إلى مراجعة وتطوير، خصوصاً من أبناء جيلنا الحالي والذين قد منَّ الله عليهم برؤية الصورة الكاملة لجميع المصادر والنصوص الحديثية، كما توفرت اليوم التقنيات التي تساعد على البحث والمقارنة بين النصوص بشكل دقيق لم يسبق له مثيل من قبل، ونحن اليوم نُعَدُّ الجيل الإسلامي الأول والوحيد عبر التاريخ كله الذي توفرت له هذه الميزات مجتمعة، والذي نتوقعه من “جيش” خريجي العلوم الشرعية أن يُبدعوا أيَّما إبداع في أبحاثهم والعمل على تطوير وبناء منهجيات جديدة يتم من خلالها تنقية ما وصلنا من دون أي حرج أو إغفال للجانب العصري بين ما هو ثابت في الإسلام وما هو عُرفي، لكن مع الأسف الشديد .. ما حدث ومازال يحدث هو العكس تماماً، فالمنهجية باقية كما كانت ولم تشهد أي تطور يُذكر، وهذا الشيء الذي أصبحنا اليوم لا نقبله على الإطلاق من علماءنا ومشايخنا الأفاضل.

هذا التقصير أدى إلى إجبار أمة كاملة على استيعاب أحاديث متناقضة مع نصوص القرآن من جهة، ومتناقضة فيما بينها من جهة أخرى، مما ترتب عليه فتاوى متناقضة لا يمكن قبولها .. بل لا يمكن العمل بها اليوم، فهذا العلم ثابت منذ أن أُسس، يعتمد على تحقيق السند والمتن وفقط، ناهيك عن قضية الثقات والتي كانت باباً سهلاً لدس ما لا يمكن تصوره في أحشاء الإسلام، فعندما تنظر إلى قواعد تصحيح الحديث تجدها ثابتة في اتجاه مستقيم، وهذه الإستقامة قد تؤدي في بعض الأحيان إلى تعارض نصوص الحديث مع نصوص القرآن الكريم ويتم قبوله على حاله مادام وافق القواعد المُتفق عليها في التصحيح، وكان الأولى بعلماءنا الأفاضل تطوير علم تصحيح الحديث ليتقاطع مع القرآن مرة، ويتقاطع مع بعضه البعض مرة أخرى، فيتم بهذه الطريقة تنقية الحديث المُستدل به تماماً من دون أن تشوبه شائبة.

من الأمثلة على مثل هذا التناقض:
المسيح الدجَّال: هذه الشخصية لم تُذكر في القرآن الكريم، ولكنها جاءت في أكثر من حديث نبوي حيث أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أعور [2]، ولعل أهمها حديث تميم الداري رضي الله عنه الذي جاء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ليُبايعه على الإسلام بعد أن إلتقى بالدَّجال وجهاً لوجه في الحديث الشهير الطويل [3]، هذا ما جاء عن المسيح الدجَّال من جهة، من جهة أخرى جاءت أحاديث أخرى جعلت من أمر الدجَّال عويصاً وغير منطقي على الإطلاق، وأهمها ما ورد عن شخصية الفتى اليهودي « إبن صيَّاد » أو « إبن صائد » أو « صاف »، وكلها أسماء لشخصية واحدة، ويُقال أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشُك أنَّ الغلام هو الدجَّال بعينه، وقد روى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما بأنَّ رسول الله كان يتخفى يوماً خلف أشجار النخيل لهذا الغلام محاولاً أن يرى منه أي علامة تُثبت أنه الدجَّال [4]، وروى أيضاً عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنَّ رسول الله قد أوقف ذات يوم ابن صيَّاد في الطريق وقال له أنه قد خبأ له كلمة في صدره، وقد كانت الكلمة هي “دخان”، وقد نطق ابن صيَّاد بالجزء الأول من الكلمة [5]، وروى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه يوم التقى بابن صيَّاد في طريق، غضب من ابن عمر بعد حديث يسير، وانتفخ ابن صيَّاد كالبالون ليسدَّ الطريق بالكامل! وبعدها روى لاخته أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها ما حدث لتؤكد له ألاَّ يقرب هذا الرجل ولا يتعاطى معه لأنَّ رسول الله قال أنَّ الدجَّال يخرج بعدما تنتابه نوبة غضب [6]، بل حتى روى نافع مولى ابن عمر أنه أكد أنَّ ابن صيَّاد هو الدجَّال لا محاله! [7].
وجه الإشكال: مشكلة هذه الأحاديث أنها تضع نبوة الصادق الأمين محل شك كما تطعن بقدرة سيد المرسلين النبوية بالتواصل مع السماء لتبيان أمر مهم للأمة الإسلامية كأمر الدجَّال، إذ كيف به يشك في هذا الغلام أنه الدجَّال وقد أقرَّ ما نقله الصحابي تميم الداري من أنه قد رأى الدجَّال مقيد بالسلاسل في جزيرة ما .. وأنه لن يتحرر إلاَّ قريب القيامة بقليل؟! أضف إلى أنه لماذا يحتار رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الغلام إن كان هو الدجَّال أم لا .. وهو الذي يأتيه خبر السماء؟! فليسأل جبريل .. وسيأتيه بالخبر اليقين.

لا تقوم إلاَّ على شِرار الخلق: في الحديث الشهير عن النواس بن سمعان رضي الله عنه والذي سرد فيه العلامات الكبرى العشر ليوم القيامة، ذكر رضي الله عنه أنَّ آخر أربع علامات لا يشهدها مسلم موَّحد على وجه الأرض لأنها كلها عذاب وشر، ويشهدها فقط الكفار والفجار وهم يتقاتلون ويتهارجون على الأرض كالبهائم وعليهم تقوم الساعة [8].
وجه الإشكال: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ المسلمين سيشهدون قيام الساعة، فقد روي حديث صحيح بأنَّ عصابة من المسلمين باقية على الحق إلى أن تقوم الساعة [9][10]، فكيف يمكن الإقرار بأنها تقوم على شرار الخلق فقط؟!

لا ينفع نفساً إيمانُها لم تكن آمنت: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ ثلاث علامات كبرى ( طلوع الشمس من مغربها، والدجَّال، ودابة الأرض ) [11] إن ظهرت إحداها .. لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن قد آمنت من قبل، والدجَّال إحدى تلك العلامات الثلاث والذي إذا ظهر لن يؤمن من بعده أحد، وكل من بقي بعده لو أراد التوبة والإسلام لن يتأتى له هذا الأمر وفقاً لحديث النواس.
وجه الإشكال: العجيب أنَّ الدجَّال حسب هذه الرواية يقتله عيسى بن مريم عليه السلام، وعيسى نفسه سيضع الجزية ولن يقبل بأي دين غير الإسلام! فلا جزية بعد عيسى ولا دين غير الإسلام، فإما الإسلام أو القتل، والذي يُفهم من هذا السياق أنَّ بعد قتل الدجَّال سيكون هنالك فرصة للبشر بأن يؤمنوا بالله ويعتنقوا الإسلام، وهذا تناقض صارخ في أصل الحديث.

إرضاع الكبير: حديث شهير رواه مسلم في صحيحه حول الرخصة التي رخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لـ سالم مولى أبي حذيفة بأن يَرضع من « سهلة بنت سهيل » زوجة أبي حذيفة ليحرم عليها [12].
وجه الإشكال: تكمن الإشكالية هنا في أمرين إثنين، الأولى هي الطريقة التي تم تناول الحديث فيها من قِبَل علماء المسلمين، فهي غير مقبولة على الإطلاق، حتى أنه ليس فيه توقير لا لرسول الله ولا للصحابة الكرام، الحديث لم يذكر الطريقة التي تمت فيها الرضاعة، هل صُبَّ لسالم في كأس أم تم إلقام سالم الرجل البالغ الثدي مباشرة، وبما أنَّ هذا الأمر مُبهم، الأحوط لحفظ بيضة الإسلام وعِرض صحابة رسول الله أن نذهب إلى الرأي القائل بأنَّ الرضاعة تمت من خلال كأس، ولا يمكن في أي حال من الأحوال أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رخص لشاب بالغ بأن يلتقم الثدي الأجنبي مباشرة، لأنه لا يُعقل أن يكون هنالك طريق إلى الحلال من خلال عمل مُحرَّم، والأمر الثاني، هو عدم جعل الحديث خاصاً بسالم، فهنالك جمع ليس بالقليل من العلماء الأفاضل قد أطلقوا العنان لرأي – شاذ جداً – بجواز تعميم هذه الرخصة لجميع المسلمين وأنها ليست خاصة بسالم! مع تجاهل تام للأحاديث الأخرى والتي ذكرها رسول الله بأنه لا رضاع إلاَّ من مجاعة [13] أي في سن الطفولة ودون الحولين، وحديث آخر يُقرُّ فيه أنه لا رضاع إلاَّ لما شد العظم واختلط باللحم [14] أيضاً في سن الطفولة ودون الحولين، وفوق هذا كله حديث أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها والذي أقرت فيه أنَّ سائر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم – ما عدا أمنا عائشة رضي الله عنها – أبَيْنَ الأخذ بهذه الرخصة وأقررن أنها رخصة أرخصها رسول الله لسالم خاصة [15]، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تعميمها على المجتمع الإسلامي. وطامة الطامات في هذا الصدد ما أورده الدكتور « موسى لاشين » في كتابه من أنَّ عائشة رضي الله عنها أرضعت غلاماً ليحرُم عليها!! [16]، ولا أدري كيف يمكن لعائشة أن تُرضع وهي لم تحمل ولم تُنجب ولم يكن لها ذرية .. فبالله عليكم من أين لها الحليب لتُرضع؟!

أعتذر عن الإطالة عزيزي القارئ، ولكن هذا غيض من فيض، كما أنَّ هذا الأمر أصبح يؤرق مضاجع العاقلين الذين يهمهم أمر الشريعة الحنيفية والتي نعتقد جازمين بأنها لا يمكن أن تأتي بمثل هذا التصادم، فالأصل بشريعة تأتي من السماء أن يُصدِّق بعضها البعض .. لا أن يهدم بعضها البعض لتُظهر نبينا عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم أنه كان يُعاني من تناقض أو أنه لا يعي ما يقول .. معاذ الله .. بأبي هو وأمي.

عندما أسمع اليوم أنَّ فلاناً من الناس أو الأقارب قد توجه لدراسة العلوم الشرعية في الجامعة .. أشفق عليه، لأني أعلم أنه سيتخرج عبارة عن آلة نسخ! لا تفكر بل تتبع دون فهم، فلو كانت مادة الإسلام العلمية تنتفع بهذه الجموع الغفيرة لكان الأمر مختلفاً، لكن الفائدة تكاد تكون معدومة، وقد قدر الله لي أن اطلعت على بعض رسائل خريجي التخصصات الشرعية للماجستير والدكتوراة، وصدمت بمدى سطحية الموضوعات المنتقاة للبحث والمناقشة، إذ كيف يمكن قبول مثل تلك الموضوعات لدرجة رفيعة في الدراسات العليا؟! رسائل لا تحتاج لأكثر من ثلاثين ورقة للمناقشة في غضون ثلاثة أشهر، ولكن هذه الموضوعات الثانوية والسطحية قد استهلكت من سنتين إلى خمس سنوات لبحث وتحضير رسالة واقعة بين 250 إلى 500 صفحة!

مشكلة المشكلات اليوم أنَّ العلماء ومن خلفهم جيوش الدعاة لا يريدون تكليف أنفسهم الخوض في هذه الضوضاء، وفضلوا الرضا بالنصوص كما هي والسكوت عنها واللجوء إلى التويتر والشبكات الإجتماعية للتغريد كالبلابل بدلاً من التشمير عن السواعد لتنقية ونفض ما يمكن نفضه، فعباءة وبخور .. وجمهور وقور .. وصوت جهور .. وتقبيل لليد والرأس أولى من عزلة مع الله للبحث عن الحقيقة، وانشغلوا في تحصين أنفسهم ببناء معايير التكفير لحمايتهم بدلاً من تطوير معايير تصحيح الحديث، فمن خالفهم وأنكر عليهم المنهج الراكد .. رموه بالزندقة أو الردة، ونسبوه إلى الجماعات والفِرَق المخالفة كـ الأشعرية و الماتريدية و المعتزلة .. فقط لأنه استعمل عقله فيما ينبغي!

موضوع ضخم لا يمكن تغطيته في مقال واحد، ويلزم الكثير الكثير من القراءة والبحث، والمجال مفتوح والموارد متوفرة، ولكن لم يبقى في الميدان رجال يحبون الله ورسوله.

دمتم بخير.


المصادر:

[1] الإحكام لابن حزم (4/573)، المدخل للسنن الكبرى (ص111)، الإنتقاء لابن عبد البر (144)، المبسوط للسرخسي (11/3)، المسودة (302)، سير أعلام النبلاء (6/ 401)، التقرير والتحبير (2/415).

[2] روى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: (( ذُكرَ الدَّجَّالُ عِندَ النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: إنَّ اللهَ لا يخفَى عليكُم، إنَ اللهَ ليس بأعْوَرَ – وأشارَ بيدِهِ إلى عَيْنِهِ – وإنَّ المسيحَ الدَّجَّالَ أعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى، كأنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طافيَةٌ )) صحيح البخاري 7407.

[3] قالت فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: (( سمعت منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي: أن الصلاة جامعة، فخرجت فصليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، قال: ليلزم كل إنسان مصلاه، ثم قال: هل تدرون لم جمعتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إني ما جمعتكم لرهبة ولا رغبة، ولكن جمعتكم: أن تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثاً وافق الذي حدثتكم عن الدجال، حدثني: أنه ركب سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهراً في البحر، وأرفئوا إلى جزيرة حين مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابة أهلب كثيرة الشعر، قالوا: ويلك ما أنت؟! قالت: أنا الجساسة، انطلقوا إلى هذا الرجل في هذا الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق، قال: لما سمت لنا رجلاً فرقنا منها أن تكون شيطانة، فانطلقنا سِراعاً حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقاً وأشده وثاقاً مجموعة يداه إلى عنقه – فذكر الحديث – وسألهم عن نخل بيسان، وعن عين زغر، وعن النبي الأمي، قال: إني أنا المسيح، وإنه يوشك أن يؤذن لي في الخروج. قال النبي صلى الله عليه وسلم: وإنه في بحر الشام، أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو مرتين، وأومأ بيده قبل المشرق، قالت: – أي الراوية فاطمة بنت قيس – حفظت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم )) صحيح أبي داود بتصحيح الألباني 4326، والحديث المطول روي في صحيح مسلم 2942 وصحيح الجامع للألباني 7889.

[4] عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (( انْطَلَقَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأُبَيُّ بنُ كعبٍ الأنصاريُّ، يؤُمَّانِ النخلَ التي فيهَا ابنُ صَيَّادٍ، حتى إذَا دخلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، طَفِقَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يَتَّقِي بجُذُوعِ النخلِ، وهوَ يَخْتِلُ أنْ يسمعَ من ابنِ صيَّادٍ شيئًا قبلَ أن يرَاهُ، وابنُ صيَّادٍ مُضْطَجِعٌ على فراشِهِ في قَطِيفَةٍ لهُ فيهَا رَمْرَمَةٌ، أو زَمْزَمَةٌ، فرأتْ أمُّ ابنِ صيَّادٍ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهوَ يَتَّقِي بجُذُوعِ النخلِ، فقالَتْ لابنِ صيَّادٍ: أيْ صَافِ هذَا محَمَّدٌ، فَتَنَاهَى ابنُ صيَّادٍ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: لو تَركَتْهُ بَيَّنَ )) صحيح البخاري 2638، صحيح مسلم 2931.

[5] عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (( كنا نمشي مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فمرَّ بابنِ صيادٍ فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: “قد خبَّأتُ لك خبيئاً” فقال: دُخٌّ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ “اخسَأْ .. فلن تعدُوَ قدرَك”، فقال عمرُ: يا رسولَ اللهِ! دَعْني فأضربْ عُنُقَه، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ “دَعْه .. فإن يكن الذي تخاف، لن تستطيعَ قتلَه” )) صحيح مسلم 2924.

[6] روت أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما: (( لقِيَ ابنُ عمرَ ابنَ صائدٍ في بعضِ طرقِ المدينةِ، فقال له قولًا أغضبَه، فانتفخ حتى ملأ السِّكَّةَ، فدخل ابنُ عمرَ على حفصةَ وقد بلَغها، فقالت له: رحمك اللهُ! ما أردتَ من ابنِ صائدٍ؟ أما علمتَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: “إنما يخرجُ – أي الدجَّال – من غضبةٍ يغضبُها؟” )) صحيح مسلم 2932.

[7] روى نافع مولى ابن عمر عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما أنَّه كان يقولُ: (( واللهِ ما أشكُّ أنَّ المسيحَ الدَّجَّالَ هو ابنُ صيَّادٍ )) صحيح مسلم بشرح النووي 18/47، صحيح تخريج أحاديث المصابيح للمناوي 4/534، صحيح فتح الباري لابن حجر العسقلاني 13/337.

[8] هذا مقتطف من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه فيما رواه عن علامات الآخرة الكبرى، ولطول الحديث أوردت فقط الخاتمة التي يذكر فيها النبي الكريم أنَّ الساعة لا تقوم إلاَّ على شرار الخلق الكفار، ولقراءة الحديث كاملاً يمكن الرجوع إلى المصادر المذكورة في نهاية المقتطف: (( فبينما هم كذلك إذ بعث اللهُ ريحاً طيِّبَةً فتأخذُهم تحت آباطِهم فتقبض رُوحَ كلِّ مؤمنٍ وكلِّ مسلمٍ، ويبقى شِرارُ الناسِ يتهارَجون فيها تهارُجَ الحُمُرِ ، فعليهم تقوم الساعةُ )) صحيح مسلم 2937، صحيح الجامع للألباني 4166، صحيح الترمذي 2240، صحيح ابن ماجه 3310.

[9] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي ظاهرةٌ على الحقِّ لا يضرُّهُم من خالفَهم ولا من خذلَهم حتَّى تقومَ السَّاعةُ )) حديث صحيح في الجواب الصحيح لابن تيمية 2/180، وفي زاد المعاد لابن القيم 3/86.

[10] روى ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله قال: (( إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله )) صحيح الترمذي بتصحيح الألباني 2229.

[11] روى أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ثلاثٌ إذا خَرَجنَ، لا يَنفَعُ نفساً إيمانُها لم تكُنْ آمنَتْ من قبلُ أو كَسَبَتْ في إيمانِها خيراً: طُلوعُ الشمسِ من مَغرِبِها، والدَّجَّالُ، ودابةُ الأرضِ )) صحيح مسلم 158، عمدة التفسير لأحمد شاكر 1/843، صحيح الترمذي بتصحيح الألباني 3072، صحيح الجامع للألباني 3023.

[12] عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: (( أن سالماً – مولى أبي حذيفة – كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم، فأتت بنت سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن سالماً قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقل ما عقلوه، وإنه يدخل علينا، وإني أظن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرضعيه تحرمي عليه، فأرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة، فرجعت إليه فقلت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة )) صحيح مسلم 1453، صحيح النسائي 3323.

[13] قالت أم المؤمنين عائشة رشي الله عنها: (( دخل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعندي رجلٌ قاعدٌ فاشتدَّ ذلك عليه ورأيتُ الغضبَ في وجهِه، قالت فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنه أخي من الرضاعةِ، قالت فقال: “انظُرْنَ إخوتَكنَّ من الرضاعةِ، فإنما الرضاعةُ من المجاعةِ” )) صحيح مسلم 1455.

[14] روى ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا رضاعَ إلَّا ما شدَّ العَظمَ وأنبتَ اللَّحمَ )) صحيح أبي داود بتصحيح الألباني 2059.

[15] روي عن أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية رضي الله عنها أنها قالت: (( أبى سائرُ أزواجِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أن يُدخِلنَ عليهنَّ أحداً بتلك الرضاعةِ، وقلن لعائشةَ: واللهِ مانرى هذا إلاَّ رُخصةً أرخَصها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لسالمٍ خاصَّةً، فما هو بداخلٍ علينا أحدٌ بهذه الرضاعةِ ولا رائَيْنا )) صحيح مسلم 1454.

[16] (( وكانت عائشة – رضي الله عنها – ترى أن إرضاع الكبير يحرمه، وأرضعت غلاماً فعلاً ، وكان يدخل عليها، وأنكر بقية أمهات المؤمنين ذلك )) فتح المنعم شرح صحيح مسلم، المجلد الخامس صفحة 622.

close

مرحباً 👋 سعيد بوجودك هنا

قم بالتسجيل ليصلك أفضل محتوى على بريدك الخاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *