تخطى إلى المحتوى

إستشارة العارفين

إستشارة العارفين

لم أكن أعلم ما الذي يجب علي فعله.. كنت حائراً في القرار الذي يجب اتخاذه عندما بدأت أرى ابنتي متخبطة لا تهتدي لما تريده حقاً في قضية مهمة لها في حياتها. بداية دعوني أخبركم كم هي مُتعبة التربية.. خصوصاً عندما يبدأ سن المراهقة وتبدأ التحديات تعصف بالمُراهق الضعيف في زمن مليء بالفتن لم يَسلم منها الكبار.. فكيف بهم المساكين؟!

كنت أجلس بعد صلاة العشاء وحيداً في مقهى المبنى الذي أقطن فيه بالدوحة، وقد مرَّت ساعة كاملة وأنا أفكِّر كيف يمكن لي أن أساعد ابنتي في تجاوز المحنة التي تمر بها في هذه الفترة من حياتها، وقد كنت تحدثت وزوجتي كثيراً حول هذا الأمر دون أن نهتدي لرأي تَوافُقي، وغالباً ما أدع القرار لبناتي كي يُقررنَّ ما الذي يُردن فعله في الحياة، ضمن إطار مقبول دينياً واجتماعياً.

بينما كنت في ذلك المقهى سارحاً أقلِّب الأمر في عقلي، ظهرت أمامي فتاة.. بدا لي أنها قد تجاوزت سن المراهقة، تقريباً في الثامنة عشر من عمرها، فجلست وحيدة على طاولة قريبة من طاولتي تتحدث بالهاتف الجوَّال بصوت مسموع نوعاً ما، وكانت تتبادل الأحاديث المختلفة مع صحبتها على الهاتف، وفجأة.. ذكرت لصاحبتها رأياً في مشكلة تشابه تلك التي تمَر بها ابنتي!

لم أتمكن من سماع التفاصيل، ولكن الفضول استولى علي وأردت أن أعلم رأيها في تلك المشكلة، وكيف ترى – من وجهة نظرها كفتاة – الطريقة المُثلى للتعاطي مع تلك الحالة؟ وعلى استحياء وتردد.. بدأت تجول في خاطري فكرة استإذانها طلباً للإستشارة، ولكني كنت متردد، فموقف كهذا لا يوافق الثقافة العربية.. مُحرج جداً في الشرق الأوسط، فأنا لست في كندا، ففي الغرب.. يمكنني أن أتحدَّث مع أي فتاة دون أي حرج، لأنَّ ثقافة المكان تسمح بذلك.

لم أكن متيقناً أنها ستقبل الحديث مع رجل غريب.. الموقف برمَّته لم يكن مُريحاً. تخيلوا معي كيف لمارق طريق أن يتحدث إلى فتاة تجلس وحيدة في دولة عربية، بالتأكيد سيُفهم الأمر على أنه تحرُّش أو ما شابهة لا سمح الله.. ولا ألومهم!

بعد تردد قد تجاوز الساعة، قررت أن أجازف وأجرَّب حظي، فشيء ما في داخلي كان يدفعني دفعاً لطلب الحديث معها، فتقدمت نحو الفتاة وقد اعتراني التوتر، ولكن رغبتي في سماع رأيها سيطرت على توتري.. وصلت إلى طاولتها واستئذنتها: السلام عليكم، هل لي أن أطرح عليك سؤالاً من فضلك؟

فقالت: تفضل!

قلت: لدي مسألة تُحيِّرني تخص ابنتي، وأحببت أن أسمع وجهة نظرك كفتاة.. علِّي أجد ضالتي، هل لديك مانع؟

قالت: تفضل واسأل..

قلت لها: كم عمرك؟

قالت: ١٤ عام!

قلت: سبحان الله.. إبنتي في نفس عمرك.. وكأن القدر قد ساقك أمامي كي أستشيرك! مع أني اعتقدت أنَّ عمرك أكبر من ذلك..

فابتسمت وقالت: الجميع يقول لي ذلك…

فطرحت عليها المشكلة، واستغرق الحديث قرابة الـ ٢٠ دقيقة، وقلت لها: لو كنتِ في نفس الموقف.. كيف ستتصرفين؟ أريد أن أعرف ما الذي يجول في خاطر فتاة في عمرك بخصوص هذا الأمر؟ وكيف تعتقدين أني كأب.. يجب أن أتعاطى مع ذلك الموقف دون أن أظلم ابنتي أو أجبرها على أمر لا تريده؟ ما الذي كنت تتمنين أن يفعله معك والدك لو كنت في نفس الموقف؟

لكم أن تتخيلوا.. رجل في الثانية والأربعين من عمره يطلب استشارة فتاة في الرابعة عشر! مَن يسمع هذه القصة أو يحاول أن يتخيل الموقف، قد يقول في نفسه.. ما هذا السخف.. ليس لديك ما يكفي من الخبرة في الحياة كي تربي ابنتك وتُدير شؤونها؟!

قامت تلك الفتاة – قدر المستطاع وبلغة بسيطة – بشرح شعورها إزاء ذلك الموقف لو حدث معها، وكيف تعتقد أنه يجب علي كأب أن أتعاطى معه، وصدقوني أني لست مُبالغاً إن قلت لكم.. أنَّ تلك الفتاة استطاعت أن تُخرجني من حيرتي وتُزيل عني التشويش الذي أرهقني!

قبل أن أغادر.. شكرتها على وقتها وعلى رأيها الذي مهَّد لي طريقاً للتعاطي مع المشكلة ورؤية أبعادها من منظور أنثوي مختلف، والأهم.. أنها سمحت لي بالتحدُّث إليها، وأخبرتها أنها لو رفضت.. ما كنت لأتضايق أبداً، بل كنت سأحترم حرصها الإعراض عن التحدُّث مع الغرباء، فهذا هو الأصل والصواب في زمننا الصعب.

طبعاً هذه أول مرة في حياتي أقوم بمثل هذا الموقف، ولكن من شدة رغبتي في إيجاد حل عملي.. دفعني الفضول للقيام بهذا الأمر، خصوصاً أنَّ كل الآراء التي بحثت عنها خصوصاً الشرعي منها كانت كلاسيكية لا تُسمن ولا تُغني من جوع. قد تصلح في زمن السلف الصالح.. ولكنها بالتأكيد – من وجهة نظري الخاصة – لا تصلح في زماننا الحديث.

أثَّر بي هذا الموقف كثيراً، فغالباً أنَّ قلة حكمتنا وجهلنا وربما غرورنا.. يجعلنا نُعرض عن رؤية آفقاً جديدة للأمور التي تهمنا، وأتساءل.. ما الذي يمنعنا من استشارة أصحاب الشأن أو مَن هو في نفس موقفهم لحل مشكلاتهم؟ أليس هذا ما يقوم به الطبيب أو الاستشاري النفسي الذي يسأل المريض نفسه عن المشكلة والحل، وبعدها يعيد الطبيب صياغة الحل وكأنه هو مَن أتى به؟!

close

مرحباً 👋 سعيد بوجودك هنا

قم بالتسجيل ليصلك أفضل محتوى على بريدك الخاص

5 أفكار بشأن “إستشارة العارفين”

  1. سلام عليكم ورحمة الله أستاذ حسين،

    كنت أتمنى أن تشاركنا ما هي طبيعة المشكلة وكيف تمكنت البنت ذات ال14 عاما أن تغير من طريقة تفكيرك وهل توصلت لحل لهذه المشكلة؟، ولدي سؤال آخر لماذا لجأت للبنت وأنت تتحدث مع ابنتك وهي بنفس العمر؟

    تحياتي وكل عام وأنتم بخير

  2. انا اجزم أن التعامل مع الابناء في سن المراهقة تصلك لمرحلة العجز دون مبالغة في وقت معين قد اكون شعرت باليأس كي اجد الطريقة الصحيحة في التعامل مع ابنتي دون ان اقسى عليها او اظلمها او اني متساهله جدا ذهبا وسالت القريب والغريب ، الاطباء الأساتذة ، قرات وبحثت اتبعت كل الأساليب القوة العقاب التجاهل المراقبة الضبط الحرمان التراخي الحرية .. الخ ولم انجح الا بطريقة واحدة و قناعتي الشخصية وبناءا على كل ما قرأت او بحثت او آراء من هنا وهناك الحل هو ” الحب والصداقة ” . انزل لمستوى تفكيرها حبها صادقها حتى وهي مخطئة ، وان تحدثت معك في موضوع قد تجده تافه او حتى مخل بالاخلاق ، اتركها تعبر عن مشاعرها علمها ان تحب نفسها ان تحب ذاتها بحق. فبدون هذه المحبة والصداقة معها لن تستطيع ان تصل الى اي حل ، الحب احساس وليس شعور مورث او تحصيل حاصل كما تعلمنا نحب ابناءنا لانهم منا .. وتذكر ان الفتاة اول فتى احلام لها هو والدها ومن خلاله اما تحب الرجل وتجد فيه القوة والسند او تكرهه ويخلق بداخلها حب التحدي للرجل والعناد .. أمنحها حرية القرار وادعمها وثق بها صدقني ستغير رايها عن الشيء التي تريده بمجرد ان تعطيها حرية القرار ومهما كان هذا الامر والقرار وافق عليه لانك بهذا تبني جسور الثقة والصداقة معها وتذكر انك تنشأ امراة وهذه الامرأة ستكون بيوم زوجة وام بجب ان تكون عضو فعال في المجتمع وصاحبة قرار .. وعزيزي لا تنسى اختلاف أجيال وعصر ما تربينا عليه لا يمكن تطبيقه في هذا الزمن والوقت الذي نعيشه .. وأخيراً اقبلها كما هي ولا تحول ان تعمل منها نسخه كما تحب انت او المجتمع ولا تطبق مبدأ اشخاص اخرين لان كل شخص له شيء خاص به وشخصيته الخاصة به .. بالتوفيق

    اعجبتني هذه المقولة ..
    أحبوا بعضكم بعضاً؛ ولكن …لا تقيدوا المحبة بالقيود، بل لتكن المحبة بحراً متموجاً بين شواطئ نفوسكم …أولادكم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها، بكم يأتون إلى العالم ، ولكن ليس منكم . ومع أنهم يعيشون معكم ، فهم ليسوا ملكاً لكم.
    “جبران خليل جبران “

  3. السلام عليكم استاذ حسين،، كنت متشوقه كثيرا و اتوقع طرح المشكله و نشترك معك في سماع اراء الجيل نفسه في مشاكلهم،، لاننا كلنا نعاني في تربيه ابناءنا في هذا الوقت الصعب ،،، يا ريت تشاركنا بعض النصائح التي قد تفيدنا بالتعامل مع اولادنا و خصوصنا نحن في كندا لانك عشت و شفت المغريات الموجودة هنا ..تحياتي و شكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *