تخطى إلى المحتوى

إدارة التفاوض – الجزء الخامس

أكتب مقال اليوم ومازالت غزة صامدة أمام عدوان الأعداء وخيانة الأقرباء وتآمر الأصدقاء، صمت بارد لم يسبق له مثيل يخيم على كل مسئولي الكرة الأرضية وهم يشاهدون القتل وسفك الدماء أمام شاشات التلفاز وكأن ما يجري ليس في عالم حقيقي … بل في عالم إفتراضي من صنع إحدى شركات ألعاب الحاسوب، تآمر ما بعده تآمر وخساسة ما بعدها خساسة، فلم يبقى لهؤلاء المستضعفين إلاَّ الله، أسأل الله العلي القدير أن ينصر مجاهديهم كما نصر المسلمين يوم الأحزاب، آمين.

نكمل اليوم بإذن الله النقطة الثالثة من تقنيات إدارة التفاوض: ( لا تقل نعم للعرض الأول مهما يكن )، فحتى تكسب مزيداً من السلطة في إدارة التفاوض وتكون مفاوضاً قوياً، إيَّـاك أن تقول “نعم” أو “موافق” للعرض الأول، لأنَّ هذا القبول السريع سيُطلق وبشكل مباشر فكرتان في ذهن الطرف الآخر سأتطرق لهما لاحقاً في هذا المقال.

تصور ماذا يمكن أن يحدث في عملية شراء ما، لنقل أنك تفكر في شراء مركبة ثانية، وقد قرأت إعلاناً منشوراً عن بيع سيارة بقيمة 30 ألف ريال، والسعر لمواصفات المركبة خيالي ورائع، وأخذك الحماس بحيث أنك هرعت إلى الإتصال بصاحب الإعلان خوفاً من أن يسبقك أحد إليه، وبعد تحديد موعد اللقاء وأنت في الطريق إليه، أخذت تفكر بأنه من الخطأ أن توافق مباشرة على سعر المركبة المعروض، وفي النهاية قررت أن تعرض عليهم مبلغ 24 ألف ريال وهو الحد الأدنى لما يمكن أن يعكسه ثمن المركبة في السوق لترى ردة فعل البائع على العرض، وفي النهاية وصلت إلى منزل صاحب المركبة وأخذت تقلب النظر فيها وتتفحصها، ومن ثم تفحصت كيفية قيادتها وسيرها وقلت للبائع الذي رافقك في فحص القيادة هو وزوجته: ( في الحقيقة هذه ليست المركبة التي أبحث عنها ولكني سأعطيكم مقابلها إن وافقتم 24 ألف ريال )، وانتظرت بعدها أن ينفجر غضبهم عليك لرخص ما عرضت، ولكن ما حدث فعليَّاً أنَّ البائع نظر إلى زوجته وقال لها: ( ماذا تعتقدين يا عزيزتي؟ )، ردت الزوجة: ( لنوافق على العرض وننتهي من مسألة بيعها ) … أليس هذا التبادل يجعلك تقفز من الفرح؟ ألا يسودك إعتقاد في هذه اللحظة أنك لا تصدق فعلاً ما فعلته من إنجاز في رفضك للعرض الأول والذي كنت تعتقد أنه ليس بمقدورك تخفيضه ريالاً واحداً؟

ما الذي سيخطر ببالك على الفور؟ أعتقد أنك ستفكر وقتها في أمرين إثنين لا ثالث لهما:

  1. كان بمقدوري أن أحصل على أفضل من ذلك.
  2. شيء ما ليس على ما يرام.

دعونا ننظر في كل من هذه الردود على حدا:

  1. ردة الفعل الأولى ( كان بمقدوري أن أحصل على أفضل من ذلك ): الشيء الجدير بالإهتمام هنا أنَّ هذا الأمر لا يمتّ للسعر بأي صلة، ولكنه يعتمد على ردة فعل الطرف الآخر – البائع – على العرض، فكر معي … ماذا لو عرضت على صاحب المركبة مبلغ 20 ألف ريال أو 18 ألف ريال، ووافق مباشرة في التو واللحظة؟ ألن تبقى معتقداً أنه كان بمقدورك أن تفاوض أفضل؟ وقس ذلك على تفاوض موظف جديد لراتب وظيفة ما، عندما تحصل على موافقة مباشرة على الراتب الذي طلبت من قِـبَـل الشركة التي تقابلك، ألن تبقى معتقداً أنه كان بمقدورك أن تصل إلى راتب أفضل؟
  2. ردة الفعل الثانية ( شيء ما ليس على ما يرام ): عندما تحصل على الموافقة المباشرة من الطرف الآخر، سيخطر ببالك أنَّ هناك شيئاً ما في هذه الصفقة لا تفهمه، ربما بالمركبة شيء رديء وأنت لا تعلم، وتذهب بعدها إلى مركز خدمات المركبات لفحصها فحصاً دقيقاً ولا يظهر بها أي عطل أو خلل، وقد تعلنها بعد ذلك للبيع بما يزيد عن 35 ألف ريال وتكسب فيها جيداً.

ردود الفعل هذه ستخطر على بال أي شخص إذا قال أو قيل له “نعم” من المرة الأولى للعرض الأول، هذا مبدأ سهل الفهم في التفاوض، ولكن من الصعب أن نتذكره عندما نكون في غمرة التفاوض، فمن الممكن أن تكون قد برمجت نفسك مُسبقاً وشكلت صورة في ذهنك عن كيفية الرد المتوقع من قِـبَـل الطرف الآخر والتصور بهذا الشكل غاية في الخطورة.

قال “نابليون بونابرتNapoleon Bonaparte” ذات مرة: ( إنَّ الخطيئة التي لا تغتفر للقائد، أن يقوم بتشكيل صورة مفترضة لتصرفات العدو وردات فعله بطريقة معينة لحالة هجوم معينة، في حين أنَّ ردة فعل العدو قد تكون مغايرة تماماً )، إذاً أنت تتوقع من الطرف الآخر أن يرفض عرضك ويستسخفه لقلته، والمفاجأة أنَّ الطرف الآخر قد وجد أنَّ عرضك معقول جداً أكثر مما توقعت أنت.

على سبيل المثال، أنت صاحب قطعة أرض تحاول أن تبيعها بأفضل سعر، وقد طلبت فيها 100 ألف ريال، وجاءك مشتري يعرض عليك 80 ألف ريال، وأنت رفضت الـ 80 ألف ريال التي عرضها، ونزلت إلى 90 ألف ريال، وقد كنت تعتقد أنك من الممكن أن تنتهي مع المشتري إلى غاية 85 ألف ريال، ولكن تفاجئت أن المشتري وافق فوراً على عرض الـ 90 ألف ريال، إعترف أنك مازالت تعتقد بما أنهم قد قفزوا لغاية الـ 90 ألف ريال … هل كان بمقدورك القفز بهم أكثر؟ أو أنَّ هنالك خطب ما قد تغير في سوق العقار وأنا لا أدري به، فمن الممكن أن تكون قطعة الأرض التي عرضتها أصبحت تستحق أكثر من 100 ألف ريال.

المفاوضون المحنكون حذرون جداً بألاَّ يقعوا في شرك قول كلمة “نعم” بسرعة على العرض الأول أو حتى اللاحق، والتي ستُطلق مباشرة كما ذكرت في بداية المقال فكرتان في ذهن الطرف الآخر:

  1. كان بمقدوري أن أحصل على أفضل من ذلك: المفاوض المحنك لن يقول لأحد عن شعوره بأنه قد خسر في التفاوض، ولكنه سيحفرها في ذهنه معتقداً: ( في المرة القادمة التي أتعامل فيها مع هذا الشخص، سأكون مفاوضاً صارماً، ولن أترك له أي مال على الطاولة ).
  2. شيء ما ليس على ما يرام: رفض العرض الأول قد يكون صعباً، لا سيما إذا كنت أنت الشخص الذي يدعو الطرف الآخر منذ أشهر للتفاوض، وعندما كدت أن تفقد الأمل، جاءك الطرف الآخر بعرضه مجيباً دعوتك، فاعلم أنه سيجرب أن ينتزع منك ما يقدر عليه، كن مفاوضاً قوياً وتذكر ألاَّ تقول “نعم” بسرعة.

تذكر النقاط الرئيسية التالية لتقنية ( لا تقل نعم للعرض الأول مهما يكن ):

  1. إيَّـاك أن تقول “نعم” لعرض الطرف الآخر الأول، لأنها ستُطلق مباشرة فكرتان في ذهنك: ( كان بمقدوري أن أحصل على أفضل من ذلك ) و ( شيء ما ليس على ما يرام ).
  2. الخطر الكبير يكمن في تشكيلك لصورة مسبقة في ذهنك عن كيفية الرد المتوقع من قِـبَـل الطرف الآخر على عرضك في حين أنَّ ردوده قد تكون مغايرة بشكل كبير لما توقعت، كن جاهزاً لهذه الإحتمالية، ولا تدعه يأخذك على حين غرة.

ولنا وقفات أخرى في تقنيات إدارة التفاوض في الأسابيع المقبلة بإذن الله.

المراجع:

“Roger Dawson” author of: “Secrets of Power Negotiation”.

close

مرحباً 👋 سعيد بوجودك هنا

قم بالتسجيل ليصلك أفضل محتوى على بريدك الخاص

1 أفكار بشأن “إدارة التفاوض – الجزء الخامس”

  1. مرسي كتير الك استاذ حسين هيدي المقالات كتير مهمة وبتمنى انو تفيد الناس متشكرين على تعبك واذا حبيت ساعدك انا ما عندي مانع وبتمنى انو كل شي عن التفاوض يكون ظاهر وينوضع باكتر من سايت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *