تخطى إلى المحتوى

أمازلت تؤمن بالصدفة؟

إستكمالاً لمقالة الأسبوع الماضي سأتكلم اليوم عن أهم أسس الدولة ألا وهو النظام، فالنظام يؤدي إلى العدالة، والعدالة تؤدي إلى رضى الله ورضى العباد، والرضى يؤدي إلى العلم، والعلم يؤدي إلى العمل، والعمل يؤدي إلى النجاح في الدنيا والآخرة، وهذا مُبتغى كل عاقل. من أهم ثمرات النظام … العدل، والعدل اسم من أسماء الله الحسنى، والأنبياء والرسل عليهم السلام كانت العدالة أساس رسالتهم، بل هي أساس الحكم في السموات والأرض، فبالعدل قامت السموات والأرض كما قال اليهود لعبدالله بن رواحة رضي الله عنه عندما رفض رشوتهم له مخافة من الله ومحبة لرسوله وإنصافاً للمسلمين، يقول الله تعالى في مُحكَم التنزيل: { وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ } سورة النساء من الآية 58، ويقول أيضاً: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ } سورة النحل من الآية 90، وأنا لا أقصد فقط العدالة القانونية هنا، بل العدالة بمعناها الحقيقي في كل مناحي الحياة اليومية من قانون ومعاملات إنسانية وتجارية … إلخ، والعدالة نابعة من الشعور بالمسئولية، والعدالة أساس نجاح الدولة واستمرارها، ومن المهم عزيزي القارئ أن تفهم أن العدالة لا تأتي صدفة، بل تحتاج إلى دستور ونظام حقيقي يحمي القانون المُتمَثِّل بالدستور، فالقانون هو الدولة، وهو القوة والتشريع، وهذا كله يؤدي إلى الحضارة بكل تأكيد.

النجاح من ثمرات تطبيق النظام

بداية عزيزي القارئ هل سألت نفسك مرة ما هو تعريف « النظام – System » ؟

( النظام هو مجموعة من العناصر المتفاعلة مع بعضها البعض تشكل بمجموعها كُلاً واحداً متكاملاً حيث يرتبط كل عنصر بالآخر، بالتالي أي عنصر ليس له أي ارتباط بأحد عناصر النظام لا يمكن اعتباره جزءاً من هذه المنظومة ).

إذا قرأت عزيزي القارئ بعنايه ما يعنيه النظام وفهمته، فاعلم أنَّ النظام لابد له من تبني قيم نبيلة كالموجودة في ديننا الحنيف منذ الأزل، والتي تبنتها الولايات المتحدة الأمريكية والدول المتقدمة بقصد أو من غير قصد … لا يهمني، ولكن ما يهمني أنها أبدعت في إستخدامها، في الوقت الذي كان العرب يمجدون القبيلة ويسجدون لأوثانها، وقتها كانت الدولة الحديثة قد قامت وأصبحت المسيطرة، فعندما كانت الدولة الغربية تبني دستورها وقيمها الشبيهة إلى حد كبير بقيم الإسلام، كانت الدول العربية المسلمة تتجرد من إسلامها وتبحث عن ثوب القبيلة، ونسيَّ العرب والمسلمون مقولة الفاروق رضي الله عنه: ( نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله )، وجاء الذل والإحتلال والإستعمار، في هذا الوقت كانت كل دول العالم تنهض، حتى اليابان التي أنهكتها القنبلة الذرية كانت تنهض، أما دولة العرب كانت تهوي سريعاً.

عزيزي القارئ، أمعن التفكير في سر نجاح الدولة الأمريكية، فكر كيف تسنَّى لها أن تكون الدولة رقم واحد في العالم، ألم ترى كيف اُستُقبل الرئيس الأمريكي أوباما في كل دول العالم؟ كان استقباله استقبال القائد الأعلى للقوات المسلحة العالمية، القائد الأعلى للعالم كله، هل هذا كان بمحض الصدفة؟ إقرأ معي بتمعن الأسباب التالية لنرى هل هذه الأسباب هي التي جعلتهم الأسياد أم هناك وصفة أخرى لم نعِها بعد:

  1. حرية العيش
    • حق العيش مكفول لكل من يندرج تحت مسمى كائن حي، آدمي كان أو بهيمي، فهو ليس منوطاً بأهل البلد فقط أو السكان الأصليين، فالأرض كلها لله، والقَبَليَّة ثمارها نتنة لا تأتي بخير أبداً، خبث القَبَليَّة أدى إلى ضعف العقل والنسل والعلم والمال، لماذا لا يحق الإستقرار لمن أراد؟ بالله عليكم ماذا يُسمى تسريح آدمي خدم بلد ما وأفنى زهرة شبابه فيها بسبب أنه لا يحمل جنسيتها؟ ألا يحق له في أضعف الإيمان أن يحصل على إقامة دائمة يصون بها شيبته بعد مرور أكثر من 40 عاماً على وجوده فيها؟ أين العدل؟ هل يستطيع هذا الآدمي أن يتأقلم في مكان آخر بعد كل هذا الوقت؟
    • لو تبنت الدول العربية نظام الهجرة في أمريكا الشمالية لنهضت في أقل من 25 سنة، وإن قلتم أنَّ الولايات المتحدة حالة خاصة – وهذا كلام مرفوض طبعاً – فأقول لكم أنظروا إلى كندا التي يكسوها الثلج بنسبة 80%، ومواردها لا تُقارن بموارد الوطن العربي، وتعداد سكانها لا يتجاوز 33 مليون، ولكنها من أرقى دول العالم قاطبة، كل ذلك بسبب نظام الهجرة المفتوح للعقول والكفاءات دون تمييز حتى وإن كانت من أصحاب الحِرَف اليدوية، ونحن العرب نتسول على موائد أبحاثهم العلمية ونطلب من مستشفياتهم العلاجات الطبية، فلنهنأ بالقبلية.
  2. ذوي الخبرة
    • توكيل المسئولية لأهل الخبرة، فالمسئولية لا توكل لمن نثق بهم، بل لمن يستحقونها حتى تؤدى على أكمل وجه، لماذا يُبقي الحاكم أو الوزير من حوله من يثق بهم؟ هل هذا لمصلحة الدولة أو الحكومة؟ أبداً … إنها لمصلحته الخاصة للبقاء في منصبه، في الوطن العربي الثقة مُقدمة على الخبرة، لذلك تهرب الخبرات بعيداً، وأنت كمواطن عربي فإنَّ الخبرة والمعرفة ليست من أولوياتك ولا أهدافك، لأنها وبكل بساطة لا تنفع، وعِوضاً عن ذلك أصبحت تصب جهودك في بناء علاقات ذات ثقة عالية حتى تجري مصالحك ولا تركد كالماء الآسن، هذا كله نتاج النظام الفاشل الذي لا يُعير الخبرة أي إهتمام.
    • إنَّ النظام الذي يتبنى الثقة عِوضاً عن الخبرة لا يفلح أبداً، بل هو نظام مُرهق لأصحابه، فعندما يفشل المسئول في مهمته لأنه ليس كفؤاً لها، يسود وجه من أتى به ولا يستطيع إستبداله، لأنه يثق به، ويضطر لتبرير فشله بأي طريقة حتى يُبقي عليه قريباً لأنه مصدر ثقة، بينما لو كان المسئول الذي فشل تعيينه بناءً على خبرته، ففشله سيكون محدوداً، وحتى إن فشل في مهمته، يستطيع من عيَّنه أن يستبدله ويوضح سبب فشله بكل جرأة لمن يأتي بعده تجنباً لتكرار الفشل، مما يؤدي إلى دفع عجلة النهضة قُدُماً ومن دون تأخير، ولك عزيزي القارئ أن تتخيل مدى التأخير الذي تعانيه أمتنا اليوم.
  3. شروط القبول
    • لا يهم من تكون أو من أين أتيت حتى تكون مقبولاً، فالمعرفة والرغبة في العمل كافيان لأن تكون مقبولاً، أما أن تكون شروط الحسب والنسب والأصل والفصل هي أساسيات القبول … فهذا الفشل بعينه، ماذا أفعل بمن هو كفؤ ولكنه لا يملك قبيلة أو نسب؟ هل أبعثه إلى أمريكا أو إسرائيل لأنه مقطوع النسب؟
    • كيف يرفض النظام آدمي من أن يكون آدمي لأنه ليس من أهل الحسب والنسب والعشائر الأصيلة؟ والأدهى والأمر أن يُعيَّن لك مسئول دائم تستأذنه في كل شؤونك لأنك لست من السكان الأصليين، وكأننا نعود إلى ما قبل الإسلام لنعيش جاهلية قريش ولكن بثوب جديد في زمن التقنيات المعاصرة.
  4. تطبيق القانون
    • القانون يسري على الجميع ولا لمبدأ الإستثناءات، وهذا لا يصب فقط في مصلحة الشعب، ولكنه أيضاً يخدم مصالح الحكام والقائمين على الدولة، فعندما تحيا دولة القانون لا يوجد معنى للوساطة لطلب الإستثناء، (( لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها )) من حديث 4304 في الجامع الصحيح للبخاري.
    • الإستثناءات المستمرة والمتتالية تُجرئ العامة على تجاوز القانون، وهذا من الجرائم الكبيرة في الغرب، بينما المواطن العربي لا يفكر في تطبيق القوانين عند سنِّها، ولكنه يفكر في كيفية خرق هذه القوانين، لأنه بكل بساطة قد تجرأ على ذلك، ومن أمن العقاب أساء الأدب، وتجرأ على كل من حوله، وأتساءل متعجباً لماذا أبناء جلدتي أغلبهم يُحسن الأدب في أوروبا وأمريكا الشمالية؟
  5. المسئولية
    • الشعور بالمسئولية والمصلحة العامة أولاً، فكل مشاكل الوطن العربي تكمن في هذه النقطة الأخيرة والمهمة، فالكل يقول هذه ليست مشكلتي، أنا لست مسئولاً عن شيء، حاسبوا الدولة … إلخ، من المسئول إذاً؟ عندما يرسب ولدك في المدرسة، عندما يقل أدبه على غيره، عندما يتربى على الفكر الإستهلاكي، عندما لا يفهم معنى العطاء والمشاركة، عندما لا يُقدم المساعدة لأحد، عندما لا يأبه لممتلكات الآخرين، وسمي ما شئت من الأمور السيئة الغير أخلاقية، من هو المسئول؟ ألست أنت؟ الشعور بالمسئولية يؤدي إلى إحترام المجتمعات وتطويرها، وجيل بعد جيل تنمو الأجيال وتصبح قادرة على العطاء مع شعور قوي بضرورة لعب دور في هذه الحياة، وهذا ما يحدث تماماً في الغرب، إذ لا أقول أن الولايات المتحدة كلها لديها هذا الشعور، ولكن طبقة المثقفين هناك تمتع بهذا الشعور، أما عندنا … لا أريد التعليق!
    • الشعور بالمسئولية ليس من طرف المواطنين فقط، بل أيضاً من الطرف الأخر للمجتمع ألا وهو الدولة، لابد للدولة أن تشجع مواطنيها على ذلك وتكافئهم وليس العكس، فالمجتمع أصبح يتجنب مساعدة الآخرين لأن عواقب المساعدة في بعض الأحيان إن لم يكن في أغلبها يكون وخيماً.

لعل منكم من يقول أني أبالغ في طرحي، وأنا أقول لمن يقول ذلك … صباح الخير … أنظر حولك وقل لي أين وصلت أمتنا التي لا تستطيع أن تصنع ملعقة، أنا لا أقول أن الحضارة الغربية لا يوجد فيها عيوب، ولكن العيوب ليست هي الحالة العامة … ليست هي النظام، أما عندنا فالحالة العامة هي العيوب والنظام مستثنى!

بقي أن أذكر لك عزيزي القارئ أنَّ النظام من أهم فلسفاته أن يبدأ من البيت، فلا تنتظر الدولة أو الحكومة حتى تطبقه في الشارع لتُدخله إلى بيتك … ابدأ به من الداخل وصدِّره إلى الخارج ولا تنتظر أحداً.

close

مرحباً 👋 سعيد بوجودك هنا

قم بالتسجيل ليصلك أفضل محتوى على بريدك الخاص

2 فكرتين بشأن “أمازلت تؤمن بالصدفة؟”

  1. تحيه للكاتب ملؤها الاحترام والتقدبر انما اكتشفته اليوم اعتبره كنزا من المعلومات فلم اجد من كتابنا من يلامس حقيقة واقعنا نحن حثالة الامم( العرب )عزيزي الكاتب عند قرائتي لما تكتبه وتسطره انهمرت دمعتي وكيفلا وانا ارى حالنا من سيء الى اسوأ:عذرا ثم عذرا انا انسان مهني ولا اجيد فن الكتابه ولاكن طفح بي الكيل والتمس لي العذر لأني لم اوفيك حقك اتمنى انتقبلني في مدونتك او صفحتك لان عني اهات كثيره احب ان تتكلم عنها واخيرا تقبل تحياتي اخوك الانسان(سليم

  2. أؤكد على ما قاله الأخ حسين في مقاله على ضرورة تطبيق الأنظمة المذكورة، فبذلك سيجد الإنسان فرصة أكبر للإبداع. كما سيتفرغ جزء من تفكيره وجهده الذي يفنيه في التعايش مع اللا نظام في مجالات أخرى تعم منها الفائدة باذن الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *