هكذا تُغتال العقول

لعل الناظر في حال المواطن العربي مقارنة مع المواطن الغربي يجد فروقاً كثيرة ومن أهمها: “الأمن الوظيفي”، إنَّ هذا المصطلح الغائب عن الأذهان في الوطن العربي لحَاجَةٌ ملحةٌ حتى ينهض الإقتصاد وتنهض معه التخصصات ويبدأ العالم العربي بالتطور والإبداع.

إذ كيف يتسنى للمواطن العربي التصرف عندما تُخطره الشئون الإدارية بأن عقد عمله لن يُجدد وهذا هو الشهر الأخير له في العمل؟ يبدأ الهلع عنده والبحث عن عمل آخر لأنه لا يستطيع البقاء دون دخل ولو لأسبوع واحد! فالحكومة ومؤسَّسة الضمان الإجتماعي في بلده لن يقوموا بتغطية نفقاته ولو لثلاثة أشهر حتى يتمكن من أن يجد عملاً آخر، فيقبل المسكين بأي عمل ولو كان على حساب تخصصه ومجال إحترافه ليتمكن من إعالة نفسه وأسرته.

قارن هذا الموقف نفسه مع دولة مثل كندا، إذ يقوم النظام بتوفير 60% من آخر راتب تقاضاه الموظف الفاقد لعمله ولمدة 11 شهراً متتالية ليتمكن من إعالة نفسه وأسرته ولا يتعرض للإهانة وسؤال الناس، هم بهذا التصرف يُحافظون على تخصصه، إضافةً إلى عائلته ومسؤولياته الأخرى، لماذا لا يحدث ذلك في وطننا العربي؟! لعل منكم من يقول أن كندا دولة ضريبية ودخلها جيد وتستطيع القيام بمثل هذه المساعدات، ولكني أتساءل، أليست الدول العربية ضريبية أيضاً باستثناء دول الخليج؟ بل توجد دول عربية تصدرت قائمة الدول الأغلى ضريبياً في العالم، أليست بعض الدول العربية تتقاضى مساعدات من البنك الدولي تفوق موارد دول أخرى؟ أين تذهب هذه النقود؟ إنَّ المساعدات وحدها كفيلة بأن تُغني المواطن فكيف بالضرائب معها؟

تأملت كثيراً في حالة الوطن العربي، وخلُصت إلى أن الدول المتقدمة تميزت عنَّا بالنظام والشعور بالمسئولية، هذا الشعور المفقود لدى أغلب مسئولينا، أذكر أني تحدثت في رحلة قمت بها عام 2004م إلى المملكة المتحدة إلى صديق مُقيم في لندن منذ 13 سنة، وشرح لي كيف يعمل النظام الضريبي البريطاني، وأنه في نهاية عام 2003م تقدم بإلتماس لدى دائرة الضرائب وأبلغهم بأنه غير قادر على دفع ضريبة هذا العام، وبدون أي دليل، وافقوا على إعفائه من ضريبة عام 2003م، وقاموا بشرح الهدف من ذلك الإعفاء فقالوا له: “ليس الهدف من الضريبة إفقارك بل على العكس، تُشكل ضريبة المواطن جزء مهم من إقتصاد الدولة، وإستمرارية هذا الدخل مهم للحفاظ على إقتصاد الدولة، فلا توجد فائدة من إفقارك، وهذا لا يمنع من التعاون مع المواطن ومساعدته بين حين وآخر كي يستعيد نشاطه ويُعاود العطاء”، كم تمنيت لحظتها أن أكون جزءاً من تركيبة هذا النظام، والحقيقة أني مازلت أتمنى.

عودة إلى المواطن العربي المسكين، الذي حتى بعد أن يرضى بالعمل في مطعم أو محل لبيع الملابس أو أي مهنة أخرى غير وظيفته المُحتَرَفَة التي إمتهنها من قبل، تصبح لديه مُعضَلة، كيف سيعاود العمل من جديد في تخصصه وسيرته الذاتيه تشهد بأنه لمدة سنة أو سنتين عَمِل في مطعم؟ حيث لا يتفهم أرباب العمل أنه كان مضطراً إلى ذلك.

أذكر أيضاً صديقاً لي تخرج من كلية العلوم كمُبرمج حاسب آلي، ولكنه لم يُوفَّق مباشرة في أن يجد عملاً مناسباً بتخصصه، وبسبب إلتزامات الحياة إضطر إلى العمل كمدير مطعم لمدة 4 سنوات، وخلال فترة عمله حاول مراراً إيجاد عمل مناسب في مجال دراسته ولكنه لم يفلح، والسبب كان معروفاً وهو أنه لا يملك خبرة البرمجة وهو يعمل في مطعم. الجميل في ذلك أنه هاجر إلى الولايات المتحدة، وعندما بدأ رحلة البحث عن عمل، تفاجأ أن أرباب العمل لم يُعيبوا عليه عمله في مطعم، بل على العكس، تصرفوا بإيجابية وأعتبروا أن إدارته للمطعم تعني إكتسابه لمهاراتٍ إدارية، بالإضافة إلى تعلمه كيفية التعامل مع كل طبقات المجتمع، وهذا شيء ممتاز.

يا للهول… ماذا يحدث في العالم؟ كلما تأملت أسباب التقدم الغربي، وجدتها وبكل سهولة نابعة من الإيجابية المحيطة بفكرهم، ومن النور الذي يملأ خلايا أدمغتهم، من المصداقية، من ثقتهم ببعضهم، من البساطة في الحياة دون أدنى تكلّف، وإلاَّ بالله عليكم كيف يمكن لدولة مثل الولايات المتحدة أن تبقى متحدة لأكثر من 200 عام بهذا الإختلاف العرقي والديني دون حروب؟ إنَّ عدد الديانات والأعراق الموجودة هناك يفوق كل أعراق العالم، ونحن في الوطن العربي نتحدث بنفس اللغة، ومعظمنا يؤمن بنفس الديانة ولا نتفق على شئ، عدد سكانهم 300 مليون نسمة، أي ما يُعادل عدد سكان الوطن العربي مُجتمعين!

متى ستتوقف طلبات الهجرة إلى أوروبا وأمريكا؟ متى سينعم المواطن العربي بعلمه؟ بل متى سيأمن كل منَّا على نفسه في وطنه؟ متى سيشعر المواطن العربي أن له دولة تحميه وتحمل همّه؟ أنا أعتقد أنَّ القوة لا تأتي من فراغ ولا حتى من المواطن وحده، لقد أثبتت الدراسات أن قدرة الموظف العربي على التقدم والتطور تفوق قدرة المواطن الغربي، ولكنه غير قادر على إستغلال ما يملك من مهارات بسبب فساد النظام السائد، يقول العالِم المصري المقيم في الولايات المتحدة الدكتور “أحمد زويل” في زيارته العام المنصرم إلى المملكة العربية السعودية: “هناك ثقافات تساعد على النجاح وثقافات تئده وتحطمه، إنني تعلمت العلوم الحديثة في أمريكا بطريقة صحيحة حيث لم يُطلب مني الحفظ أو أن تتعلق ترقيتي بتقديم البحث ولم أحتج إلى عشرة تواقيع للذهاب إلى مؤتمر علمي”.

النظام.. النظام… ومن ثم النظام، هذا ما ينقصنا في الوطن العربي، يذكر الدكتور “طارق السويدان” قصة العالم المسلم الباكستاني الأصل “فاروق علي” الذي إلتقى به في الولايات المتحدة أثناء تحضيره لرسالة الدكتوراه، وكان هذا البروفيسور المسلم الأول في العالم في النفط الثقيل، يذكر تجربته في العمل في بلد عربي خليجي، وكيف أنه تنازل عن حقه في دخله الكبير ليصل إلى ما يُعادل 3000 دولار أمريكي في الوقت الذي كانت قيمة ساعته الإستشارية تساوي 500 دولار أمريكي! وكيف إصطدم بحقيقة الوطن العربي الطارده للعقول والطاقات عندما طلب توفير ميزانية أبحاث ليبقى رقم واحد في العالم ويُفيد العالم العربي والإسلامي بذلك، فطلب 100 ألف دولار أمريكي فقط كميزانية شهرية، في الوقت الذي كانت توفر له الولايات المتحدة ملايين الدولارات لتلك الأبحاث، فكانت الردود أنه لن نوفر لك أي ميزانية أبحاث ولك أن تقبل أو ترفض، فقرر العودة إلى الولايات المتحدة ليوافق على طلبهم الملح بالحصول على الجنسية الأمريكية وصار أمريكياً.

هكذا تركوه وبكل بساطة، مع العلم أن شريط الرسائل – SMS – في قناة عربية فضائية واحدة قادر على توفير ميزانية أبحاثه، هكذا تُغتال العقول في وطننا العربي الطارد لموارده، يمتاز الوطن العربي بإحترافيه عالية بتبديد موارده بما فيها العقول، الحمدلله الذي لا يُحمد على مكروهٍ سواه. وختاماً أذكّر أمتي بأن لها الله، وأرض الله واسعة والمضارب كثيرة، فلا يجعل أحدنا التأقلم على الفشل مُقدَّماً على التأقلم على النجاح، فنلكن ما نريد.

4 thoughts on “هكذا تُغتال العقول

  1. رداً على تعليق نورة :

    والله يا نورة أنت عشت مأساة التخديد العربي الفاشل، نعم هذا إغتيال للعقول ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم.

    العرب رائعون في الكلام عن الإدارة والتخطيط واللوائح … ولكنهم أفشل أهل الأرض في القيادة والتنفيذ.

    أنا متأكد من أنك ستجدين طريقة لتجاوز هذا الموقف، وأتمنى لك التوفيق والنجاح.

  2. أشكرك أخي الكريم على هذا الموضوع الرائع ..

    وتعقيباً على ماذكرت أذكر تجربة شخصية لي ..

    عندما تخرجت من كلية التربية لم أجد وظيفة في القطاع الحكومي تناسب مؤهلي الجامعي ، ونظراً لحبي للعمل وعدم الركون لحياة الدعة والفراغ التي قد تفضلها بعض الفتيات، اضطررت للعمل بوظيفة إدارية في احدى المدارس بعقد يجدد سنوياً ، وهذه الوظيفة لاتتطلب مؤهلات سوى شهادة الثانوية العامة ودورة بالحاسب الآلي ، وأمضيت في هذه الوظيفة 4 سنوات ، المضحك في الأمر حينما قدمت أوراقي مجددا للالتحاق بوظيفة معلمة في المدارس الحكومية تم قبول طلبي وخرج اسمي ضمن المرشحات ، ولكن.. فوجئت بإلغاءه !! والسبب أن الخبرة في (غير مجال التخصص) !!

    أخبروني بربكم أليس هذا ضمن اغتيال العقول؟؟

  3. رداً على تعليق ريم حسن : صدفة جميلة أعادتني لمقال كتبته من مدة طويلة … وقد كنت اعني كل كلمة كتبتها من صميم قلبي.

    الوطن العربي عبارة عن مصيدة لحديقة كبيرة من الفئران … تكاد تكون الأكبر في العالم، يا ريم … نحن تبرمجنا على أننا لا نملك خيار التغيير، لماذا نجد الإنسان العربي يقف دائماً في المنطقة الرمادية اللون والتي لا تتسم بأي نقاء أو وضوح … بينما هنالك لونين واضحين على اليمين أبيض وعلى اليسار أسود … لم ينجح الإنسان العربي في أن يكون قائداً ناجحاً … ولا حتى في أن يكون تابعاً ناجحاً أيضاً! لماذا؟ … لأنه وبكل بساطة لم يتمرن على الإختيار … وأول أصل في التغيير أن يُحسن الإنسان الإختيار … وكما قلت سابقاً في إحدى مقالاتي … الإختيار … القوة العظمى.

    كل التوفيق،

  4. [ فلا يجعل أحدنا التأقلم على الفشل مُقدَّماً على التأقلم على النجاح ] توافق أن أقرأ هذه المقالة في نفس الوقت الذي أقرأ فيه كتاب ” لا أريد المزيد من الجبن.. أريد فقط الخروج من المصيدة ! ” لمؤلفه ريتشارد تمبلر، والذي يتحدث عن التخلص من روتين الوظيفة والبحث عن وظيفة تجعلك أكثر سعادة..

    توارد لذهني: ترى.. كم من مصيدة نعيش فيها؟!

Leave a Comment

Or

إقرأ التدوينة السابقة:
البر المفقود
Close