لماذا يُنكرون؟

|

حسين يونس

في مقابلة تلفزيونية، يقول الروائي الليبي «إبراهيم الكُوني» في خِضَم حديثه عن مسيرته الحياتية وتحدياتها: (إذا كان المسيح يقول ”لا كرامة لنبي في وطنه“ فإنني أضيف وأقول ”لا كرامة لنبي في زمنه“)، وكأنه يريد أن يؤكد على أنَّ التقدير دائماً ما يأتي مِمَن هو بعيد عنك أو لا يعيش زمانك. وأضاف «الكُوني» في نفس المقابلة: (أقل مَن يقرأني هو القارئ العربي، وأقل من القارئ العربي هو القارئ الليبي، وأقل من القارئ الليبي هم أبناء جلدتي الطوارق! وللمفارقة، أكثر مَن يقرأني هم الأوروبيون والآسياويون والعالم الخارجي!).

يقول «طرفة بن العبد» في مُعلَّقته:

وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً :: عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّـدِ

هذا الكلام وغيره جعلني أتفكَّر في الأسباب التي تجعل الإنسان محط عداء من قِبَل محيطه القريب إذا ما حاول الظهور من خلال كلمات يخطَّها في كتاب أو مقال، لماذا يحدث هذا النفور والعداء؟ هل بسبب الأفكار التي يأتي بها الكاتب؟ أم بسبب الموضوعات التي يتناولها؟ أم بسبب الشهرة التي يحصدها إذا ما تجمهر الناس من حوله؟

في اعتقادي أنَّ الأمر يحتمل كل الحالات السابقة، فالأفكار إن كانت جديدة أو غير مألوفة دائماً ما تُحارب، والأفكار التي تنبش الأرض وتهزُّ الأشجار دائماً ما ينفر سكان تلك الأرض عنها، والحسد لا تتقد ناره في قلوب البشر إلاَّ عندما يرغبون بما عند الآخرين من دون تعب، وتستعر تلك النار في قلوبهم إذا كان أولئك ”الآخرون“ مِمَن نعرفهم، فدائماً النعمة حلال للغريب وحرام على القريب! الأمر الذي يجعل النجاح في كثير من الأحيان مستحيلاً إلاَّ إذا اعتزل العاقل دائرته القريبة أو هاجر بعيداً عنها.

يقول الإمام الشافعي:

إرْحَلْ بِنَفْسِكَ مِنْ أَرْضٍ تُضَامُ بِهَا :: وَلاَ تَكُنْ مِنْ فِرَاقِ الأَهْلِ فِي حُرَقِ

فالعنـبـرُ الخـامُ روثٌ في مواطـنـهِ :: وَفِي التَّـغَـرُّبِ مَحْمُولٌ عَلَى الْعُنُقِ

عندما بدأت الكتابة منذ عقد من الزمان، كان هدفي التركيز على الكتابة التحفيزية التي يحبها الجميع، لكنها كانت بسطية وبريئة في تلك الفترة، وكان يتابعني الأهل والأصدقاء أكثر من الغرباء، وسرعان ما تطوَّر أسلوبي ليتحوَّل إلى النقد من خلال نقل الواقع وتجاربي الخاصة وتسليط الضوء على القضايا التي تستحق، كالقضايا الإجتماعية التي خلطت الأعراف بالدين ولا يريد أحد الخوض فيها، لتُصبح مهمة الكتابة شاقة وتحتاج إلى الكثير من البحث والتحري قبل نشر أي مقال أكتبه.

هذه الجرأة في الكتابة لم تكن حميدة النتائج مع الدائرة القريبة، فقد كانت سبباً في انتشار قلمي بين الغرباء في الوقت الذي بدأ فيه التخلي عني مِمَن هم في دائرتي القريبة، خصوصاً من الأصدقاء الذين دعموا قلمي في البداية. أذكر أنَّ أحد الأصدقاء كتب لي رسالة قال فيها أنه يسحب ترشيحه لكتاباتي لأنها أصبحت تصطدم بالشرع، وهو لا يريد أن يكون سبباً في دعم ما هو خطأ حسب تعبيره وتقديره.

المشكلة أنَّ الإعتراض على الأفكار حدث من خلال رسالة.. وليس من خلال حوار مباشر أو إتصال هاتفي من صديق كنت أعتقد أنه مُقرَّب لي، ولعلَّه لجأ إلى ذلك الأسلوب لأنه لا يقوى على المجابهة، وتلك المواقف كفيلة بأن تكشف لنا عن معادن مَن هم حولنا مِمَن كنا نعتقد أنهم يستحقون أن يكونوا مُقرَّبين منا وداخل بيوتنا.

وآخر في جلسة اتهمني أني مفتون بأفكار الغرب لدرجة العمالة لهم! والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكن الدرس الذي تعلمته من تلك المواقف أنه لن تسقط أقنعة مَن حولك وتنكشف معادنهم إلاَّ إذا تطوَّرت ونجحت، وقتها فقط ستتمكن من معرفة الصديق الحقيقي من غيره، أما إن بقيت كما أنت.. فلن يكترث لأمرك أو يُعاديك أحد، وسيكون لديك الكثير من الأصدقاء والأصحاب!

أكثر ما يُثير السخرية هو عندما يجمعني القدر بأولئك الذين كانوا أصدقائي يوماً ما، ويبدأ نقاش أستشهد فيه بمقال كتبته أو لقاء مرئي خرجت فيه على الناس، يعتذرون لأنهم لم يقرأوا مقالي أو يشاهدوا لقائي، وكأنهم لا يريدون أن يُعطوا أي أهمية لما أقوم به، ومن خلال الصدفة.. علمت أنَّ بعضهم يتابعني بشغف على مواقع التواصل الإجتماعي من خلال حسابات وهمية، ولعلهم يقرؤون الآن ما كتبته عنهم 🙂

أعتقد أيضاً أنه من الأسباب التي تجعل المجتمع ينقلب على الكاتب هو تعريته لذلك المجتمع الذي يرونه مثالياً، والناس لا تُحب أن ينتقدها أحد، بل يفضلون أن يبقى الطابق مستوراً، ويحاربون كل مَن يتعرض لهم، والعرب أكثر مَن يُعاني من تلك المُعضلة النفسية منذ قديم الأزل مع الأسف الشديد.

في مقابلة تلفزيونية، يقول الشاعر والروائي اللبناني «رشيد ضعيف» واصفاً الإنسان العربي: (نادراً ما نعترف أنَّ الشيطان فينا، نادراً ما نُظهر وسخنا الذي يُعشعش في داخلنا إلى الشمس حتى يتطهَّر!)، وهذه الجملة قمة في الواقعية!

عندما أشتدَّ عود قلمي في نقل الواقع، علمت أهمية ذلك النوع من الكتابة على الرغم من صعوبته، فالجمهور عموماً لا يُحب تلك المُكاشفة الصريحة، ولكن تلك المصارحة تكشف أمراضه لتبقيه على قيد الحياة، تماماً كالدواء الذي نضطر لتناوله رغم مرارته لنبقى على قيد الحياة، مع العلم أني رغم كل الصراحة التي أنتهجها في كتاباتي، أعتبر أني ما زلت صامتاً، فما زلت أضع اعتباراً لاختلاف ثقافات البشر وقدراتهم، ولو أطلقت العنان لقلمي.. لقرأتم ما لا تطيقون! فمازالت المثالية أغلالاً على عنق قلمي، أكابدها في كل قطرة حبر ومع كل بداية سطر، والله يعلم كم أبغض المثالية.

إن كنت تمرُّ بتلك المرحلة.. فلا تحزن، فعندما بُعث الأنبياء برسالاتهم السماوية، أول مَن عاداهم وأعرض عنهم أهلهم وأقراباءهم، فصبروا.. فاتبعوهم!

كلمة أخيرة، إنَّ ما يجعل الكاتب عظيماً.. ليس قدرته على تصوير الخيال، بل جرأته على نقل الواقع، فكن أنت تلك المرآة التي تُري المجتمع حقيقته، علَّه يستيقظ يوماً ما ويبدأ التغيير!

3 رأي حول “لماذا يُنكرون؟”

  1. الاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضية ، لا ينكر الانسان انه يختلف مع نفسه في بعض الاحيان في مراحل الحياة وسرعان ما يتراجع عن قراره وهكذا ، فما بالك بينه وبين اخيه او صديقه ، لو كنا جميعا نفكر كما تفكر لاصبحنا جميعا بارعين بالكتابة ونحوها ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ….

    محبك في الله

    رد
  2. لا أتفق مع هذا المقال، فقديما قيل “الطيور على أشكالها تقع” فإذا كان أصدقاءنا حاسدون باغضون، فمن نكون نحن صنو لهم أم مغفلون؟!

    رد
  3. الانسان بطبعه يحارب الناجحين في حياتهم وخاصة إذا قلت وكتبت أشياء صحيحة قد تمسهم لكن الانسان هو الذي يكون مؤمن بأفكار ويتحدى كل ما قيل ويقال والمشكل يأتي من ناس مش متوقهم والقلم هو تعبير وليس حرب كلامية يا ريت يكون عندي جرأة حتى أكتب مثلك. تحياتي

    رد

أضف تعليق