الطريق إلى كندا

الطريق إلى كندا

محدثكم … فلسطيني الجذور، أردني الجنسية، كويتي المولد، أوكراني الدراسة، سعودي الخبرة، وحتى ذلك الحين لم يجد وطناً يأويه، واليوم إنتهى بي المطاف إلى بلد المهجر كندا، مفعم بآمال كبيرة جداً بأن تكون هنا محطتي الأخيرة ووطني المجيد، فقد تعبت والله من كثرة الترحال بين أقطار الوطن العربي الكبير دون أن أجد مستقراً خالياً من الخوف والتخلف والتدجين، فروحي أصبحت لا تقوى على ذلك، فقد أنهكتها بالخضوع والخنوع عنوة لأحكام العالم الثالث، ولأني أحترم نفسي التي أودعني إياها رب العزة، وخشيت أن أحاسب على تقصيري بها … قررت الرحيل.

عندما قدمت إستقالتي طوعاً من عملي الأخير في السعودية، إنتقدني أغلب من كان حولي … ولعلهم حتى إتهموني بالتهور، إتقي الله في نفسك يا حسين … لماذا كندا وقد منَّ الله عليك بالعمل في أرض الإسلام السعودية؟ وعملك ودخلك على أفضل حال، ألا تعلم ماذا يعصف بالعالم الغربي؟ كساد إقتصادي مخيف، وفساد أخلاقي عظيم، وأنت في ذمتك ثلاث إناث، ألا تخشى عليهم الحرية؟ دعك من الهجرة وابقى بيننا.

جهزت حقائبي أنا والعائلة ولم نكترث، ولحظة الوداع كان ردي عليهم:

( الحياة السعيدة لا تقاس فقط بالمال، وإن كان الله سبحانه وتعالى قد رزقني ما رزقني في السعودية، فهو قادر على أن يرزقني أكثر من ذلك في كندا، فالأرض لله وقد تكفل برزقي ).

وركبت الطائرة وأكملت هجرتي، وخلاف كل التوقعات السلبية … أثبت لي ربي قدرته في الأرض، وحصلت على عمل في صميم تخصصي في غضون أول أسبوعين، لأني وبكل بساطة أيقـنت مع من أتعامل وفهمت السنن الإلهيه للنجاح ولم أكترث لأصوات المدجَّنين، هم ببساطة مساكين لا يعلمون.

عندما باشرت حياتي بشكل إعتيادي، أدركت أنه قد اُستهزأ بنا في الوطن العربي، فنحن بالضبط كالأسد المسجون في قفص وتم التلبيس عليه أنه بأفضل حال وأنَّ الكل يتمنى مكانه، وكلما حاول هذا الأسد الخروج ليرى العالم الخارجي جاءه من يرعبه من هذا الخروج، وأنه لا داعي حتى من المحاولة. لكن الأسد خرج، وعندما خرج … صدم صدمة حياته وأدرك حقيقة الكذبة التي عاشها في القفص، وندم على ما فات من عمره أيَّما ندم، والحمدلله الذي تتم بنعمته الصالحات.

لحظات الهجرة عشتها بكل وجداني، وانتظرتها كالأب الذي ينتظر مولوداً جديداً، فالأمور النفسية والمعنوية كانت تشغلني أكثر من أي شيء مادي، فأنا لا أنسى لحظة الوصول إلى مطار تورونتو عندما إنتهى مسئول الهجرة من أوراقي أنا والعائلة ونظر إلي بإبتسامة وقال لي: (مرحباً بك في بلدك كندا)، لم أتمالك نفسي من فرحة اللحظة ودموعي تسيل، هذه الكلمة ما سمعتها في أي مطار عربي قط. استيقظت في اليوم التالي أنظر من النافذة محاولاً إستيعاب أنَّ الحلم قد أصبح حقيقة، أشاهد الناس في الطرقات يمشون والسكينة تملأ قلوبهم، إلى الآن عندما أخلو مع نفسي لا أصدق أني قد فعلتها، أشعر أني ما زلت أحلم، إلى هذه الدرجة أثرت في نفسي سلباً أقفاص الوطني العربي التي كنت أتنقل بينها.

كندا عزيزي القارئ بلد أسطوري، كل شيء فيه يمشي بنظام ويحتاج إلى دورات تدريبية لفهمه وتطبيقه، حتى الفوضى هنا منظمة وتجد لها سبيلاً للإنضباط، فالنظام في كندا طريقة حياة وليس نزوة عابرة أو شيء قد أجبروا عليه، فقد أصبح متأصلاً في البشر، وأنا أتوقع أنه حتى لو إختفت الحكومة والنظام، سيبقى الشعب منظماً قادراً على أن يقود نفسه من دون قائد، لدرجة أني لا أرى الكثير من دوريات الأمن والشرطة في الطرقات على خلاف الوطن العربي، ولو رأيتهم أشعر بالسعادة والفرح على خلاف شعوري هناك، ففي البلاد العربية عندما كنت أرى رجل الأمن … ينقبض قلبي وأشعر بشعور سيء جداً، لأني مدرك تمام الإدراك من أنَّ الأمن العربي لم يوجد من أجل أمني وحمايتي، لكن في كندا كلما شاهدت رجل الأمن، تهلل وجهي وشعرت بسعادة في قلبي وكأني إلتقيت أحد أقاربي، فأنا ليس عندي أدنى شك من أنَّ هذا الرجل قد وجد لحمايتي، هذا هو اليقين الحقيقي … الثقة في النظام.

أنا أعلم عزيزي القارئ أنَّ الحياة ليست وردية تماماً في كندا، وهنالك الكثير من التحديات الإجتماعية للعرب عموماً والمسلمين خصوصاً، لكنها حياة إنسانية، فهي وردية مقارنة مع الوطن الهربي (العربي) الذي بات فيه المستطيع مهاجراً مهما كلفه الأمر حتى ينأى بنفسه بعيداً عن ضنك الحياة الدونية، وأكثر ما ضايقني … المهاجرون العرب الذين ألتقي بهم هنا وأجدهم يلعنون كندا ليلاً نهاراً ولم يقدِّروا نعم الله عليهم … لعلهم ألفوها، ولكنهم لم يُصارحوا أنفسهم بحقيقة ما عساهم فاعلين إن أخذ الله منهم هذه النعمة؟

خلاصة تجربة:

( لن تستشعر قدرة الله في حياتك إلاَّ إذا أقدمت على أمور غير إعتيادية، فإذا بقيت تعيش حياتك بالطريقة النمطية المليئة بالخوف من أي خطوة تخطوها، لن تشعر بقدرة الله ولن تفهمها أبداً، خالف الأعراف البشرية وتحرك بعكس التيار، ووقتها فقط سترى قدرة الله ).


* تحديث هام – 27/02/2014: أرجو من جميع القراء الأعزاء بعد الإنتهاء من قراءة المقال، أن يقرأوا التعليقات أدناه وردودي عليها كاملة حتى تتبلور فكرتكم حول كندا وإن كانت مناسبة لكم أم لا، ولا تعتمدوا على هذه المقالة كدافع للهجرة والتي كتبتها في شهوري الأولى في كندا عندما كنت في قمة حماسي وإنفجاري العاطفي، ونظرتي اليوم – بالطبع – قد تغيَّرت في كثير من الأمور.

فمن الجدير بالذكر أنَّ كندا دولة مثل باقي دول العالم … لها ما لها وعليها ما عليها، والنجاح فيها يعتمد على الشخص ومعتقده وعمره وظروفه الإجتماعية وطموحه ومؤهلاته العلمية وقدراته على التعايش مع الواقع هناك وقدرته على التنازل، فلا يتوهم أحد من أن كندا مكان يصلح لكل البشر، فلابد من التريث قبل الشروع في أي شيء، وتجارب الآخرين ليس بالضرورة أن تنطبق عليك، فكن واقعياً حتى لا تسقط في الهاوية.

دمتم سالمين في أوطانكم.

221 thoughts on “الطريق إلى كندا

  1. بارك الله فيك اخي الكريم
    والله لو تعلم كم افدتني وكم اشعر بالامتنان لك …..باختصارشديدكانت كندا منذلحظات حلم حياتي وشغلي الشاغل سخرت كل طاقتي وجل وقتي في القراءة حول هذا الامر ومشاورة كل من له خبرة في هذا الامر
    ولم انسى اهم امر وهو الاستخارة ….وكعادتي دخلت على جوجل وفتحت هذا الموقع وقرات جميع ما كتب هناوفهمت الرسالة التي ارسلها لي ربي وساعمل بمقتضاها ولكي تعم الفائدة للجميع ….

    الرسالة واضحة مضمونها :الاسلام “”نعمة””,والاولاد “نعمة” والرفاهية “نعمة”ولكن ان ادت النعمة الاخيرة الى المساس بالنعمتين الاولى او الثانية فلا مرحبا بها ولتذهب غير مأسوف عليها

    إسلامك وأولادك أهم من الدنيا وما عليها

    نصيحة من أخت تتمنى للجميع الخير والتوفق

    • مرحباً بك أختي زهرة، وشاكر مرورك واستفادتك، وصدقيني لهذا أبحث وأكتب، محاولة لإفادة أهلي وناسي وحمايتهم من الخسران قبل فوات الأوان. فمع الأسف … الكثير يعتبرون ما أكتبه متناقضاً، ولا يفهمون الفكرة التي أحاولها إيصالها للقارئ !

      فأنا لا يدعو إلى الهجرة ولا أحُّ عليها لا من قريب ولا من بعيد، فالهجرة ليست شيئاً ممتعاً أو ترفيهياً يمكن للجميع الإستمتاع به أو الإستفادة منه، فهي قاسية والغربة مؤلمة حتى لو كانت في الجنة … تبقى مؤلمة وصعبة وليست سهلة على النفس البشرية على الإطلاق.

      بالمقابل، لا أنفِّر منها، فهي قد تكون ضرورية في بعض الحالات … حتى أنها قد تُصبح غاية أو هدفاً لِمَن اضطرته الظروف القاسية جداً على ذلك، ومن الخطأ تجاهلها إن أمكنت.

      كما تفضلتي، لإسلام نعمة، والرفاهية نعمة، والجمع بين الحسنيين أكبر نعمة، وإلاَّ … فسدد وقارب !

      ملاحظة: أنت يا زهرة كان لك شرف آخر تعليق على هذا المقال، فقد قررت إغلاق إضافة التعليقات والأسئلة حوله لأنها باتت مكررة 🙂

      تشرفت بمرورك.

      كل التوفيق

  2. السلام عليكم ورحمة الله
    تحية طيبة إلى الأخ حسين يونس وكل المتابعين للموقع
    في الحقيقة أعجبني الموقع وما فيه، وأسأل الله أن يكون مفتاح للخير ومنورا للعقل
    بحكم تخصصي في مجال الإحصاء والرياضيات، سيكون اهتمامي بالأرقام والأعداد، وقد لاحظت أهمية الأسئلة التالية، والتي أرى أنها لم تعالج من قبل،وهي:
    1- السن الأمثل للهجرة ، وليكن بشكل مجال.
    2- الإيجار الشهري،وفق مجال ، ولتكن المقاطعة المتفق على أفضليتها تورنتو،أونتاريو.
    3- مصاريف الأشهر الأولى، لعائلة تتكون من 4 أفراد-الزوج،الزوجة،ولدين- ولعلنا نعتبرها الرقم الأوسط للمهاجرين.
    4- هل يجب أن يحمل كل منا قرار العودة في نفسه، على الأقل لتربية أبنائه في بيئة إسلامية إذا توفرت الظروف؟ -رأيك الشخصي يهمني-

    مع خالص تقديري

    • وعليكم السلام أخي أبو يوسف،

      في الحقيقة أعجبني جداً ما تفضلت به فيما يخص الإحصاء العددي، وقد تكون هذه الفكرة إضافة جيدة لكتابي الأول الذي أعكف عليه الآن فيما يخص تجربتي في كندا.

      كل التوفيق

  3. عفوا اخي حسين أنا لست طبيبة اسنان أنا فنية اسنان او كما يقال بالإنجيليزية dental tecninitian نحن المسؤولون عن التركيبات السنية ولم اجد في مقالاتك السابقة عن معادلة مجالي اي معلومة اما عن موضوع الاطفال وإسلامهم فإننا نعتزم إلحاقهم بمدارس اسلامية…..اتمنى ان تعطيني اي معلومة عن معادلة شهادتي

    • مرحباً أختي وئام،

      في الحقيقة أنا لا أبحث في قضايا المعادلات، ولكن … قمت بهذا البحث كي أسهل عليك الطريق، وكل شيء موجود على الرابط التالي فيما يخص (Dental Technicians/Technologists):
      http://www.ontarioimmigration.ca/en/working/OI_HOW_WORK_DENTIST_CM.html

      طبعاً أن بحثت على إفتراض أن المحافظة التي ستأتين إليها هي محافظ أونتاريو.

      أما بالنسبة لإلحاق أولادك في المدارس الإسلامية، فهو خير ما ستقومين بحقهم بإذن الله.

      كل التوفيق

  4. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    شكرًا جزيلا لك اخي حسين على المعلومات التي وفرتها لنا وساعدتنا لمعرفة جزء بسيط عن حياة المسلمين في المهجر……

    قرار الهجرة جداً صعب وفيه مخاطرة كبيرة ارجوا الله ان يسهل لي وعائلتي كل ما فيه خير…
    اولا أنا فنية اسنان عمري ٢٧ عام متزوجة وعندي طفلين الاكبر عمره اربع سنوات وزوجي يعمل في مجال البنوك وعمره ٣٠ عام سؤالي اذا سمحت عن معادلة شهادتي علما أني حاصلة على دبلوم وزوجي حاصل على بكالريوس وينوي دراسة الماجستير بكندا ….
    اما سؤالي الثاني كيف تغيرت نظرتك بكندا خلال الفترة السابقة ؟؟؟؟؟

    • وعليكم السلام أختي وئام،

      بالنسبة لسؤالك الأول، فقد أجبت عليه أكثر من مرة في التعليقات المشابهة أعلاه، أرجو العودة لقراءة الأجوبة.

      أما بالنسبة لسؤالك الثاني، فأيضاً يمكنك إستشفاف تغير النظرة من خلال أجوبتي على أسئلة القراء، وإذا أردتي أن تعرفي ما أرمي إليه … لابد لك من قراءة ردودي كاملة لتجدي جواباً على هذا السؤال المفتوح.

      بإختصار، كندا دولة رائعة وفيها نوع من الحرية والإستقرار النفسي، ولكنها بالمقابل غالية وباهظة ومُرهقة ولا يُمكنك أن تأمني على أولادك إسلامهم وإيمانهم بالله، وإحتمال الردة عن الإسلام والتوجه إلى إسلام مُنحرف كبير جداً، أطلقت عليه إسم (الإسلام الكاثوليكي).

      كل التوفيق.

  5. أخي حسين تحية طيبة

    أنا مثلك أعيش بالسعودية, قد عملت لاندنج بتورنتو الشهر دة, بس عندي تخوف كبير من التجربة حيث لا املك تحويشة كبيرة يدوب على اد 6 شهور في كندا, كلامك مشجع جدا بس كل واحد ظروفة تختلف عن الآخر.

    ارجو النصيحة

    أخيك أحمد

    • أخي أحمد،

      لا تعتمد على مقالتي التي كتبتها في شهوري الأولى في كندا وأنا متحمس … إقرأ ردودي – كاملة – على تعليقات القرَّاء والتساؤلاتهم لتتبلور فكرتك حول كندا، لا داعي للعجلة.

      كل التوفيق

Comments are closed.

إقرأ التدوينة السابقة:
قربى الدم وفرحة العيد
Close