قلمي العربي وتجربتي الكندية

قلمي العربي وتجربتي الكندية

مضت ستة أشهر منذ أن بدأت التدوين عن كندا أسبوعياً وبشكل منتظم، بالتحديد مع إنطلاقة موقع هافينغتون بوست عربي في الأول من أغسطس الماضي، كتابات حاولت من خلالها نقل تجربتي الخاصة وفقاً لنظرتي الحياتية وقيمي الفكرية التي أؤمن بها، لتوعية الراغبين بالهجرة حول حقيقة الوضع في كندا وما ينتظرهم من صعوبات وفرص، إضافة إلى توعية الجالية العربية والمسلمة التي حطَّت رحالها في كندا منذ سنين طويلة حول قيمتهم الفعلية وما يمكنهم إنجازه في المهجر، مع لفت إنتباههم إلى ما ضاع من بين أيديهم من قيم ومبادئ لا يمكن الإستغناء عنها مهما اختلفت عليهم البلدان والأقطار.

في الحقيقة أنا لم أكن أتوقع ذلك الصدى لتلك الكتابات سواء من داخل كندا أو خارجها، ولعل السبب يعود إلى أنَّ كندا أصبحت غاية لمَن هم خارجها، فهي محط أنظار الطامحين واللاجئين من العرب، خصوصاً في هذه الظروف المحبطة والقاسية التي يمر بها الشرق، إضافة إلى أنَّ كندا مادة خام لم يتناولها أحد قبلي بتلك الطريقة التي تناولتها، فغالباً الكتابات العربية المنتشرة عن كندا هي كتابات تجارية من هذا النوع: (هل تريد الهجرة إلى كندا؟ هل ترغب في الدراسة في كندا؟ كندا بوابتك للنجاح، كندا تقدم كل الخدمات بالمجان، كندا تدفع لمواطنيها معونة شهرية … إلخ)، ولكن الكثيرين مِمَن هم خارج كندا لا يعلمون حقيقة تلك الإعلانات التي يتم ترويجها، مثل:

١) كندا دولة مهاجرين ولديها برنامج هجرة:

لكن هذا البرنامج ليس متاحاً للجميع، فهو يستهدف الثلة المتعلمة في مجتمعات العالم الثالث، تلك الفئة التي يُشترط أن تكون ناجحة في المكان الذي تُقيم فيه قبل أن تأتي إلى كندا، فالدولة الكندية كالجامعة الراقية والتي يُعرف عنها أنَّ جميع طلابها متفوقون، فيبدو الحال أنها هي (أي الجامعة) التي جعلتهم كذلك، ولكن الحقيقة أنَّ هؤلاء الطلبة كانوا متفوقين قبل الإلتحاق بالجامعة، والجامعة أخذتهم على طبق من ذهب ومن دون أي تعب!

٢) الدراسة الجامعية في كندا راقية:

لكن تلك الدراسة ليست مجانية حتى لمواطني كندا، إضافة إلى أنها مرتفعة التكاليف للتخصصات الأساسية كالطب والهندسة. يقول أحدهم: (يكفي أنَّ الدولة تمنح مواطنيها تخفيضاً على الأقساط الجامعية يصل إلى (٤٠٪) مقارنة مع أقساط الغير كنديين)، والحقيقة أنَّ الدولة لم تمنح الكنديين تلك التخفيضات، إنما رفعت تكاليف الأقساط الجامعية على غير الكنديين بنسبة (٤٠٪)، إحترافية عالية في التسويق وصياغة الجُمَل!

٣) التأمين الطبي في كندا بالمجان:

لكن يلزمك الإنتظار من ٣ ~ ٦ ساعات في الطوارئ حتى تتمكن من أن ترى الطبيب، كما يلزمك أن تنتظر من عام إلى عامين ليمكنك إجراء عملية جراحية، إضافة إلى أنه لا يمكنك اللجوء إلى أخصائي من دون تحويل رسمي من الطبيب العام والذي يُعرف بـ (طبيب العائلة)، وإذا اقتنع ذلك الطبيب ووافق على منحك ذلك التحويل، قد يستغرق الأمر ٣ ~ ٦ أشهر كي تحصل على موعد مع الطبيب المختص، فمن الأفضل لك ألاَّ تمرض في كندا، والإستمتاع الوحيد الذي تحصل عليه من ذلك التأمين هو بطاقة التأمين التي تحملها في محفظتك وتمنحك الشعور بالأمان على صحتك!

٤) الدولة تمنح معونة إجتماعية:

لكن عندما تحصل على تلك المعونة، يلزمك أن تختار بين أن تدفع أجرة المنزل من دون أن تأكل، أو أن تأكل وأنت في العراء، فهي لا تكفي الأمرين معاً، ناهيك من أنه حتى تحصل على تلك المعونة يجب عليك أن تكون من معدومي الدخل وتقدم الأدلة على ذلك ككشف حسابك البنكي الذي يجب أن يُظهر أنك لم تحصل على دخل لمدة لا تقل عن ستة أشهر، فالأمر ليس بتلك السهولة ولا يخلو من كذب وإحتيال على الدولة كي تحصل على تلك المعونة، إضافة إلى إهانة الذات وضياع الكرامة.

٥) الشرطة متوفرة لحظة طلبها:

لكن ما لا تعلمه عن الشرطة الكندية أنَّ وجودها وعدمه واحد في كثير من المواقف، فهي قد تأتي سريعاً … ولكنها لا تفعل أي شيء لحظة وصولها، والسبب يعود إلى ضبابية القانون الكندي المتناقض في بعض نصوصه وتطبيقاته، فعلى سبيل المثال، القانون الكندي حتى اللحظة يمنع تدخين الحشيش ويعتبره نوع من المخدرات التي يعاقب عليها القانون، ولكنه لا يعاقب على تعاطيه داخل المنزل ويعتبره حرية شخصية، ولا يهمه إن اختنق الجيران من دخان ذلك الحشيش، وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي لا يمكن حصرها.

طبعاً هناك مَن قدَّر تلك الكتابات وأخذ بها، وهناك مَن هاجمها وكذبها مع أنه لم يصل إلى كندا ولا يعلم عنها أي شيء، وهناك مَن اتهمني بأني لدي خطة خفية مُسيَّسة لتنفير الناس عن أمر الهجرة … لا أملك تعليق!

بالمقابل كان هناك صدى داخلي إيجابي من قِبَل الجالية العربية والإسلامية في كندا، وكأنهم كانوا متعطشين إلى من يُذكِّرهم بذاتهم الشرقية، وعاداتهم وقيَّمهم الإسلامية، وجمال لغتهم العربية، فأصحاب العقول الحية منهم يعلمون قيمة ما أكتبه ويدعمونه ولا يرضون بأن تُغيَّب عقولهم، حتى أنَّ إحصاءات الشهور الثلاث الماضية لموقعي الرسمي (HusseinYounes.com) تُظهر أنَّ أكثر زائري الموقع هم من داخل الفدرالية الكندية، وهذا تطور جديد لم يحدث من قبل، فدائماً ما كان قرَّاء السعودية ومصر يتصدرون القائمة من حيث عدد الزيارات والقراءات.

ماذا بعد ذلك … هل أستمر؟

الكثير من القرَّاء والمتابعين عرفوا عن قلمي عن طريق تلك الكتابات الكندية، ولكن ما لا يعرفونه أنها لم تكن هدفي كما أنها لم تكن محور بحثي قبل الهجرة، ولكن مادام فيها خير لأمتي … سأكتب وأنقل وجهة نظري كما أراها لأني كاتب، وأقل حقوقي هو التعبير عن رأيي كما أؤمن به، وللقرَّاء والمتابعين كل الحق في تأييد ما أكتب والأخذ به، أو الإختلاف معه والإعراض عنه، فكلٌ له قيمه التي يؤمن بها، وأحلامه التي يريد تحقيقها، والمستقبل كفيل بأن يُثبت صحة ما أكتب من عدمه.

أكثر ما أثار استغرابي، أولئك المعارضون لكتاباتي الذين وجدوا فيها تهديداً لأحلامهم بالهجرة إلى كندا، فعندما كانوا يقرؤون الصعوبات التي يمكن أن تواجههم في كندا والتي ستواجههم لا محالة، كانوا يقولون لي: (إن كانت الحياة في كندا صعبة بهذا الشكل، ما الذي يُبقيك فيها؟) وكأنَّ لسان حالهم يقول أني أزيِّف الحقائق، وهل هناك مكان في هذا العالم يخلو من الصعوبات والتحديات؟ كان أولى بهم أن يسألوني: (كيف تمكنت من النجاح في كندا في ظل جميع تلك الصعوبات؟).

كلمة أخيرة، مثلما كندا وطني … فجميع أقطار العالم العربي وطني، وكما قبلنا نقد أوطاننا العربية، من الإنصاف أن نقبل نقد أوطاننا الغربية، ولا شك أنَّ العدالة الإجتماعية التي تقدمها كندا لمواطنيها مَطلب أساسي وفطري، ولكن تنخفض قيمة تلك العدالة تدريجياً كلما اختلطت بالفقر وقلة اليد، فلا الفقر يمكن الصبر عليه في ظل دولة العدل، ولا الغنى يمكن الإستمتاع به في ظل دولة الظلم، وما دام هناك مَن نَفرَ إلى كندا مُهاجراً بحثاً عن العدالة الإجتماعية، هناك مَن نَفرَ خارج كندا مهاجراً بحثاً عن العدالة المالية، المهم … أن تعلم أنَّ حاجاتك لتلك العدالة ستتغير حسب تغير ظروفك وإلتزاماتك الحياتية.

18 thoughts on “قلمي العربي وتجربتي الكندية

  1. لست من المتابعين ولكن قرأت مقالك الأخير ، اعتقد انك فلسطيني ومن واقعنا كفلسطينية فنحن لانعيش الاستقرار في بلادنا ،،،بل وأين هي ضاعت بين انقسام وانكسار وحصار من غزة الى الضفة والقدس، وعن تجربتنا فنحن ولدنا في غربة ومن بلاد تهجير ابائنا الى مهجر ،،،ومن مهجر الى مهجر تاهت ذكرياتنا فليس لدينا رفيق العمر ولا جارٍقديم ولا رفيق الدراسة منذ نعومة الاضافر،،،،وأراهن ان أغلبنا عاش طفولة في بلد ودراسة جامعية في بلد ثم سافر ليعمل ببلد آخر ،،،حتى بعض الذين عادو منا الى اشلاء الوطن بات غريبا لايحسن التأقلم فيه ،،،ياسيدي ألفنا الغربة وصارت تعيش اوطاننا في قلوبنا ونعيش غرباء في اوطاننا نلملم اشلاء ذكرياتنا وتجاربنا لنصنع لنا ماض ونحلم بالهجرة لنصنع مستقبل لأولادنا او دعني أقول كذبة الطموح والأمل بغد أفضل . نبحث عن قليل من كرامة باقي الانسان فينا …. أتمنى ان تتسع رحابة صدرك لهذه الخترفة ،،،،بالتوفيق سيدي

Leave a Comment

Or

إقرأ التدوينة السابقة:
النصائح الذهبية للهجرة الكندية
Close