تخطى إلى المحتوى

ولكنكم تستعجلون

سأطرح اليوم قضية روحانية من خلال الفهم العقلي لعلاقتنا مع الله سبحانه وتعالى فيما يقضيه علينا من أقدار، غالباً ما تُسيئونا ولا نعي فائدتها ولا الحكمة من وراءها. ويأتي هذا المقال المهم بعد مقال الأسبوع المنصرم ( لفتات عفوية 2 ) والذي بدا واضحاً امتعاض القرَّاء منه، فشح التعليقات كان واضحاً رغم كثرة القراءات، ولعلي تطرقت فيه لبعض المحرمات العُرفية – وليست الدينية – في مجتمعنا العربي مثل مسألة ( قداسة العلماء ) الأمر الذي تربينا عليه وأصبح لا يمكن التطرق إليه بأي شكل من الأشكال. ما علينا … فالعرب يفضلون أن يتحمل الداعي والعالم الأعباء كلها بدلاً من أن يتحملوا هم جزءاً منها بالدراسة والتفقه، فوصول رجل الدين – مهما كانت ملته – إلى مرتبة القداسة لهو دليل على مدى الجهل الذي وصل إليه التابعون والعامة.

كثيرة هي المصائب والأزمات، ولكنها ليست بالضرورة من فعل الله، العبد أيضاً يفتعل الكثير من المشكلات والأزمات بسوء فهمه للأحداث ومجريات الأمور، أضف إلى ذلك جهله بالدين وتطبيقه، وتهاونه بمستلزمات النجاح، منطلقي في مقالة اليوم سيكون مبني على أساس عقيدة أهل السنة والجماعة في حسن الظن بالله والتي تقول: ( الله سبحانه وتعالى لا يُقدِّر على الأرض إلاَّ الخير حتى وإن كان في ظاهره شر، فهو خير محض ) وهذه العقيدة جلية وواضحة في قصة نبي الله موسى عليه السلام مع الخضر في سورة الكهف، عندما خرق السفينة وقتل الطفل وبنى الجدار، كل الأفعال كان ظاهرها شر، ولكنها كانت تحمل في طياتها خيراً محضاً.

أنا هنا أخاطب الإيجابيين اللذين اجتهدوا وتثقفوا وخططوا وعملوا بجد وبذلوا كل ما في وسعهم … وبعد ذلك كله لم يصلوا إلى النتيجة المرجوه بشكل كامل، أكتب اليوم إلى هؤلاء المميزين، وأستثني من مقالتي كل المتواكلين الذين اختاروا الفقر والفشل طريقاً ومنهجا … اعذروني فهذا البحث ليس لكم، فأنتم يلزمكم الكثير الكثير لتبذلوه قبل أن تصلوا إلى منزلة التأمل في قدر الله وأبعاده.

لماذا أراد الله أن تكون الأمور بهذه الطريقة؟ لماذا فعل الله هذا الفعل؟ ما الشيء الذي يريد مني الله أن أتنبه له وأن أدركه وأفعله حتى تكون الحياة أفضل لي ولمن حولي؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تسألها لنفسك أخي الإيجابي بعدما بذلت الغالي والنفيس في ما تقوم به، وقبل أن تيأس وتحكم على الأمور بتشاؤم وسلبية، فالله سبحانه وتعالى يريد من كل واحد منا أموراً يومية خارج إطار العبادة التقليدية كالصلوات الخمس والزكاة والصوم، هنالك الكثير من العبادات الغير إعتيادية لا نلقي لها بالاً أبداً في أمورنا اليومية في الحياة والمجتمع … لابد من الإنتباه لها، وهذا غالباً ما يحدث عندما لا يرى الإنسان أبعاد القدر بإيجابية، وليس بالضرورة من أن يكون الإنسان عالماً حتى يرى ذلك، فعندما تشتد أزمة ما عليك في الوقت الذي كنت تعتقد أنَّ الأمور ستسير بكل سلاسة ويسر، قف وتأمل لماذا يحدث هذا الشيء الآن؟ وابدأ بالتحقق من الأمور الإعتيادية المطلوبة منك كبشر والتي من الممكن أن تسبب خللاً إذا شابها تقصير أو نُفِّذت بشكل غير صحيح، وربما لم تكن مقصراً في أداءك، وعندما تُدرك أنَّ كل شيء قد سار على ما يرام وأن الخلل أو الأزمة فعلاً خارجة عن إرادتك، تأمل في الحكمة التي من الممكن أن تكون خلف هذه المشكلة والتي تعطلت بسببها، لعل الله يريد أن يلفت نظرك إلى شيء ما أو يبتليك لتعود إليه، أو أنه سبحانه يريد إيصال رسالة من خلالك لأحد ما، كلنا رسل في هذه الدنيا وكلنا مسؤول في هذا الأمر.

لو فكرت قليلاً من الذي يستريح ويرضى بهذه التحولات في حياته اليومية دون أن يُشقي نفسه حتى وإن كانت لا توافق خططه وأهواءه؟ بالتأكيد ستجد أنه العبد المستنير بنور الله، المتبصر بحكمته وأبعادها، فالعبد لا يُدرك مدى حكمة الله إلاَّ بعد إنقضاء الأزمة وظهور نتائجها، فيبدأ بحمد الله والثناء عليه أنه حدث معه ما حدث.

عندما تحطمت الطائرة الفرنسية رحلة 447 والتي كانت المتجهة من مطار ريو ديجينيرو في البرازيل إلى العاصمة الفرنسية باريس في يونيو الماضي من هذا العام، كان هنالك راكب لم يلحق بالطائرة، وبالطبع كان مستاءاً جداً لدرجة الجنون، وعندما سقطت الطائرة … أنا متأكد من أنه لم يكف لسانه عن حمد الله الذي أبقاه حياً لعدم لحاقه بتلك الرحلة.

إذاً من الممكن أن نجعل من هذه الأزمة جحيماً لا يُطاق، ومن الممكن أيضاً أن نجعل منها جنة الخلد، الأمور كلها داخل عقولنا وتصوراتنا، وكما يقول المثل: ( إصنع من الليمون شراباً حلواً )، ( بدلاً من أن تلعن الظلام … أشعل شمعة )، فكر ماذا يمكنك أن تتعلم من هذه الأزمة؟ شكِّل نفسك حسب الأزمة والموقف، فالقدرة على التشكيل حسب الظروف مهارة القادة المحترفين، فلا تكن جامداً كالصخر لا تتحرك ولا تتشكل مما يؤدي إلى إنكسارك، ولكن كن كالماء، سهل السيولة، يروي العطشى، ولا يقدر أحد على الإمساك به.

لا يوجد في هذه الحياة أجمل من التفاؤل، لابد لنا من أن نرى ( الإيجابية ) في كل شيء حولنا، تغاضى عن نواقص وسلبيات من حولك وركز فقط على إيجابياتهم، إياك أن تحكم على أي شخص من خلال موقف واحد أو لقاء واحد، أعطي الناس فرصة وكل الامور ستصبح سهلة بإذن الله.

كلنا ندعي العلم والمعرفة، ولكن عندما نقع في أزمة نكون أجهل الجاهلين، وصدق أبو النواس حين قال:
قل لمن يدعي في العلم فلسفة، عرفت شيئاً وغابت عنك أشياء.

والآن عزيزي القارئ، أود أن تشاركنا موقفاً مشابهاً حدث معك أو مع من حولك كنت مستاءاً منه وعلمت فيما بعد أنه كان خيراً لك، أثري الموضوع بمواقف واقعية.

close

مرحباً 👋 سعيد بوجودك هنا

قم بالتسجيل ليصلك أفضل محتوى على بريدك الخاص

6 أفكار بشأن “ولكنكم تستعجلون”

  1. هاجرت أنا وأسرتي الى بلد ما قبل خمسة وعشرين عاما ولم نوفق في هذه الهجرة وشعرنا أنها نهاية الحياة وأغلقت الدنيا في وجوهنا ولم نكن نعلم أن المولى الكريم عزوجل قد أعد لنا مكانا أفضل من حيث المستوى المعيشي والانجاز العلمي وأنه هناك سألقى شريكة حياتي والذي أعتبره أنجح مشروع في حياتي من فضل الله أولا وآخرا. لو اطلعت على الغيب الذي أعده الله لي لاخترت الواقع وقنعت أنه الخير كله. فالحمد لله الحمد لله الحمد لله في كل وقت وفي كل حين.

  2. أخي الكريم أشكرك على هذا المقال عسى ان يلقي صدى عند صاحب هذه القصه
    وما زالت .
    تعابيرك جميله سأستعين بها في المقدمه لقصتي هذه .
    كن كالماء سهل السيوله .كلنا ندعي العلم والمعرفه ولكن عندما نقع في
    أزمه نكون أجهل الجاهليه .فعلا لايوجد في هذه الحياة أجمل من التفائل
    والتغاضي عن نواقص وسلبيات من حولك وركز على ايجابياتهم.
    أهدي تلك الكلمات لصاحب هذه القصه التي و مازالت .
    هذا الشخص لم يعي حكمة الله بعد .أعرف شاب في مقتبل العمر أعطاه الله
    من نعيمه بعد معركة شاقه نوعاما لوفاة والديه أعطاه العلم واشهاده
    الجامعيه والدين والفقه والاسره والمركز الذي كافاه الله به.ولكن في وقت ما
    يحقد على والديه لعدم ترك له ولاشقائه ارث يستعين به على مصاعب الحياة
    بدل الترحم عليهم وذكرهم بالخير.
    لو كنت تعلم أيها الشاب المسكين أن الله له حكمه في ذلك ممكن لو أعطاك
    ما تريد لفسدت حياتك وما وصلت لما وصلت له من علم ومركز ودين وتقوى
    وعائله.
    وحفظ كلام الله ولما عرفت اتجاه القبلة ولما قضيت فريضة الحج والعمره
    وأضعت وقتك في اللهو والاماكن المحرمه .أتمنى أن يقرأ هذا المقال ويقرأ
    الكلمات الجميله من اخي حسين ويستعيذ من الشيطان الرجيم .انك تقوم بالجهاد
    (العمل هو الجهاد) يكافأك الله عليه بالجنه … والله يتولانا برحمته.

  3. أي والله، قد صدقت أخي الفاضل..

    سأشارككم بموقف لازلت حتى يومي هذا أحمد الله عليه..

    كنت أعمل في إحدى المؤسسات ” تحت بند الأجور ” وكان أدائي يشيد به الجميع ولله الحمد، وفي أحد الأيام أخبرتني رئيستي أنه صدر قرار تعيين رسمي لاثنتان كانتا من أوضح الموظفات تواكلاً! وأن فرصتي ضعيفة في البقاء..

    أحسست بإحباط كبير من عدم تقدير الكفاءات الحقيقية وتقديم الواسطات قبل أي شيء!!

    وفي ظل الضغط النفسي الذي حصل حينها قررت الاعتذار عن دراسة الماجستير في ذلك الفصل الدراسي، لأن ذهني كان مشوشاً بشكل كبير..
    وبمجرد أن اعتذرت عن الدراسة، حضرت دورة تعليم لغة إنجليزية، تعرفت فيها على أستاذة بريطانية كان لها أثر كبير في شخصيتي وتغيير نظرتي لمجريات الأمور، وبعد انتهاء الدورة، لم يكن لدي نقدية تمكنني من حضور مزيد من الدورات، فعكفت على دراسة مجموعة من برامج الحاسب، وبعدها خطر ببالي أن أنشيء وقفاً ” فكرياً ” لا يمنع تدفقه أحد، فكان أن ظهرت للوجود مدونتي ” حياتك غير ” ولله الحمد..
    والحمد لله مرت الأيام،واهتمامي بتطوير ذاتي ومدونتي يتزايد..

    الخلاصة: أحمد الله تعالى أنني لم أكن من ظهر قرار تعيينها في تلك الفترة، لأنه حينها كانت ستفوتني فرص عظيمة في تطوير الذات والمهارات والعلاقات والخبرات.. فلله الحمد كله أن وفقني تلك الفترة لفعل ما هو صواب، ولم يتركني مع من يندبون حظهم العاثر صباح مساء!

  4. السلام عليكم

    مقال جدا رائع وكنت احتاج لاعادة قراءة مثل هذه الكلمات
    لدي مواقف عديدة بعضها مازال قيد الحدوث وبعضها فات ولكن فعلا اعده بعضها من الامور التي كان لها نقطة تحول بحياتي

    ساحكي لك قصتي مع الجامعة.. بعد تخرجي من الثانوي الكل كان يتطلع لي مستقيل جميل بهذه المرحلة.. ولكن قدر لي اني لم استطع اكمال الجامعةبشككل طبيعي .. ولم ادخل التخصص الذي ارغبه فعلا .. كنت ادو ان اكمل دراستي في مجال اللغات والترجمة .. فنتقلت الدفة للتجارة والمحاسبة .. بقدرة قادر …وسبحان الله اكملت التخصص رغم دراستي فيه (عن بعد) والكل كان مستنكر فكرة محاسبة عن بعد لكن تجاوزت المرحلة وقدمت فيها بقدر استطاعتي ثم قدمت بحث التخرج دون اي مساعدة خارجية … الحمدلله الان طبعا لوخيرت لن اختار غير المحاسبة.. ولكن المفارقة اني لدي فرصة قريبة لتعلم اللغات في بلدها الام..
    فالحمدلله بعد مدة وتعب حصلت على ماينسابتي ويناسب طموحاتي وساحقق حلمي قريباباذن الله 🙂

  5. قد يكون بيننا تخاطر أو قراءة أفكار

    أخي الفاضل كلما تكالبت علي الدنيا وشعرت برقابة الله حولي اشكر ربي بالفوز على مجاهدة نفسي والشعور بقوة الرقابة الالهية واجاهد نفسي لاستمر بقوة اكبر …
    واحمد الله على نبذ السلبية والبحث عن اساليب ووسائل مشروعة اخرى حتى لا ننحني الا لله

    أدعوك لرؤية الرابط في جروب تنوير واتمنى التعليق عليه
    http://www.facebook.com/inbox/?ref=mb#/topic.php?uid=135854401194&topic=10915

    دمت بخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *