تخطى إلى المحتوى

صباح اللامسئولية

لقد أصبح الإعلام بجميع فروعه نعمةٌ عظيمة لا يستطيع أن يتخيل المرء أهميتها وقيمتها ومدى تأثيرها في المجتمع، فمجرد أنك تستطيع التعبير عمَّا يجول في خاطرك ومشاركة من حولك بما تفكر فيه هو شيءٌ رائع بحد ذاته، فأنت تستطيع أن تكتب وتؤلف وتنتج تركيبات إعلامية تؤثر في مجتمعك إيجاباً أو سلباً، والإعلام ليس بالضرورة أن ينحصر في التلفاز والمذياع فقط… أبداً، فالصحف والمجلات والكتب ومواقع الإنترنت والبريد الإلكتروني والمسجات القصيرة والمرئية والصالونات الأدبية والمقاهي… كلها منابر للإعلام.

أنا شخصياً من أشد المتحمسين للإعلام، وأتمنى أن تُتاح لي يوماً ما فرصةٌ أكبر من مجال الشبكة العنكبوتية… كالمجال المرئي مثلاً، بغية الإحتراف على نطاقٍ أوسع يشمل جميع طبقات المجتمع، وهذه الأمنية جعلتني من المتابعين لكثير من القنوات العالمية، العربية منها والأجنبية، وأكثر ما يشدني البرامج الصباحية التي تشمل جميع طبقات المجتمع بما فيها ربات البيوت والطلبة ورجال الأعمال… إلخ، والبرامج المسائية التي فيها الأخبار المفصلة والتحليلات ولقاءات السياسيين والبرامج الوثائقية.

فعلى سبيل المثال، قناة الـ CNN والـ BBC وغيرها من القنوات الألمانية والروسية والفرنسية تجد مقدميها يتميزون بالإحتشام ومراعاة الوقت الذي تُبث فيه البرامج، فلو كان صباحياً من المستحيل أن تجد المقدمة سافرة عن محاسنها الجسدية، فتجد أن لباسها جدي ومحتشم كلباس المحاميات وسيدات الأعمال في المنشئات العامة والخاصة، وإذا أرادت القناة أياً كانت أن تبث برامج مسائية فيها شيءٌ من الإباحية، فتجدهم وضعوا شارة “للكبار فقط” إنذاراً منهم لأهالي الأطفال والمراهقين أن يتخذوا اللازم، فهذا التصرف إن نمَّ عن شيء فإنما ينمُّ عن مسئولية كاملة وإحترافية عالية في التعامل الإعلامي، هذ النمط من الإعداد والمراقبة والإخراج التلفزيوني لا تجده متواجداً في فضائياتنا العربية الذي يدين معظم مالكيها بالدين الإسلامي الحنيف وخلفياتهم الإجتماعية من بيئات محافظة، اللهم إلا في بعض المحطات المحترفة فعلاً كقناة الجزيرة، فطاقمها محتشم تماماً ويتمتع بإحترافية عالية حتى في إنتقاء المواضيع.

في الحقيقة عزيزي القارئ، ما أزعجني وضاق صدري له وإضطرني للتطرق لمثل هذا الموضوع، برنامج “صباح العربية” الذي تبثه قناة العربية الإخبارية كل صباح من الثامنة وحتى العاشرة صباحاً بتوقيت السعودية، ذلك الصباح الذي لا يمت للإحترافية بصلة ولا يتمتع بأدنى درجات المسئولية، ابتداءً من المقدمين إلى الضيوف إلى المواضيع وإلى الإخراج نهايةً، فصباح العربية فيه سفور لا ينبغي أن يظهر في مثل هذه الفترة التي أغلب مُريديها من فئة الأطفال الملاصقين لأمهاتهم في البيوت أمام شاشات التلفاز.

فالمقدمة، غالباً ما تجدها سافرة عن كتفيها وساقيها وكأنها جالسة على شاطئ الراحة في مدينة دبي تتسمر تحت أشعة الشمس، وأما الضيوف، فأغلبهم من طبقة ما يسمى بالفنانين والنجوم وذلك يشمل الراقصات بالطبع، يأتون إلى استوديو العربية الصباحي بلباس النوم الذي لا ينبغي أن تخرج فيه من بيتها، والمواضيع المطروحة للنقاش في غاية السخافة، كما يوجد فقرة خاصة كل صباح تحت مسمى “أخبار الفن”، حيث يتم إستضافة باحث من قناة العربية متخصص في شؤون الفن العربي والأجنبي ليطلع المشاهدين على آخر أخبار الفنانين وتحركاتهم وسهراتهم! وكأنه هذا آخر هم المواطن العربي الذي ينتظر أخبار النجوم من صباح الله خير.

قارن هذا كله بالبرامج الصباحية العالمية التي تناقش الأمور المهمة للمواطن والدولة من سياسة وإقتصاد وصحة وعناية بالطفل… إلخ، إختلاف كبير بين ما يقدم في صباح القنوات المحترفة وصباح العربية، كيف يمكن لعقلاء قناة العربية التي تدعي أنها قناة إخبارية متخصصة أن يسمحوا لراقصة بحضور نقاش صباحي؟! أين المراقبون؟ بل أين المخرج؟ راقصة؟ هل هذه إحترافية؟ لماذا لقناة إخبارية التطرق لمثل تلك المواضيع التافهة؟ أليست هي ضمن مجموعة الـ MBC التي تعرض مثل تلك المواضيع في برامج متخصصة على قنواتها الأخرى؟ لماذا لا تتفرغ العربية للمواضيع المهمة وتتعامل مع الجمهور بإحترافية بدلاً من إضاعة هذا البث الفضائي المُكلف على ما لا يُغني ولا يُسمن من جوع؟

أسئلة مهمة وجب على مسئولي تلك الفقرة في قناة العربية الإنتباه لها ومراجعة أهدافهم، فهذا لا يندرج ضمن التقدم ولا ضمن الرقي الإعلامي، آلاف المواضيع الهامة يمكن عرضها والتطرق لها بشكل علمي ومتحضر يعكس النمو الذي يتمتع به المثقفون العرب، بل آلاف الباحثين والأدباء والعلماء العرب والمسلمين يتمنون نصف ساعة من البث الحي المباشر لطرح آخر جهودهم للملايين من الشعوب العربية، مشكلة العرب أنهم لم يعوا بعد لأهمية سلاح الإعلام الذي بين أيديهم، الأهداف فقط مادية، يخططون ليلاً نهاراً لرفع دخل الفضائية ببث مسلسل من الإعلانات التجارية، وإثارة المواضع السطحية لتكثيف مشاركة المشاهدين في شريط الرسائل القصيرة.

لا أقول أن العربية قناة عميلة وصنيعة صهيونية أمريكية… أبداً، فأنا ضد إثارة نظرية المؤامرة في كل موقف يحدث للمسلمين، فنحن ولله الحمد يعيش بيننا من هم أسوأ من أمريكا وإسرائيل، بل إن إبليس نفسه لم يبلغ معشار ما بلغوا من شرور وإنحرافات، إنَّ ما أقوله أن الطاقم العامل في قناة العربية وبذات في البرنامج الصباحي عليه أن يتقي الله سبحانه وتعالى فيما يعرض ويستضيف، فقط أنا أطالبهم بالشعور بالمسئولية ليس أكثر، وختاماً أذكرهم بقول الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ } سورة النور آية 19.

close

مرحباً 👋 سعيد بوجودك هنا

قم بالتسجيل ليصلك أفضل محتوى على بريدك الخاص

2 فكرتين بشأن “صباح اللامسئولية”

  1. أتفق معك أخي الكريم فيما ذكرت ..

    رغم أن المقال ليس حديثاً ولكن لازالت قناة العربية على رتمها الممجوج وسياستها القائمة على التبذل والاستعراض ..

    وهذا مايجعلني معرضة عن متابعة برامجها حتى لوكانت نشرات الأخبار ..

    فهناك من القنوات من تحافظ على مشاعرك وسمو روحك أثناء المتابعة زتقدم لك المعلومة بأسلوب راقي دون ابتذال..

    أسأل الله الهداية للقائمين على هذه القناة و(أخواتها)..

  2. الأخ الفاضل الكاتب
    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته…
    أحييك على هذه الاضافه الرائعه لمقالاتك و تناولك لقضية الاعلام العربي و نقدك البناء له. إن ما ذكرت آنفا لهو لسان حال الكثيرين من مشاهدي القنوات الفضائيه اليوم.
    لكن أعتقد أنك أغفلت جانبا مهما و هو أن الفئات الاستهلاكيه المستهدفه من قبل المحطات الفضائيه تختلف من محطه لأخرى.
    فإن كانت قناة العربيه على سبيل المثال قد نوعت على خلاف غيرها من المحطات الاخباريه في الموضوعات المتناوله في “صباح العربيه” من سياسه إلى أدب إلى فن إلخ فأعتقد أنها تستهدف كل الفئات المهتمه بهذه المواضيع.
    لكني أوافقك الرأي بأنه تم إغفال جانب مهم و هو المظهر الخارجي من قبل مقدمي البرنامج من مذيعين و مذيعات و الذي من المفترض أن يتوافق مع وقت إذاعة البرنامج و الفئه المعنيه بالمشاهده في هذا الوقت من النهار و الذين غالبا ما يفتتحون يومهم بأخبار العالم من حولهم و مغزاهم هو الخبر لا الترفيه كباقي أوقات اليوم.
    ولك جزيل الشكر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.