حال المفاوض العربي

سأتكلم اليوم عن حال المفاوض العربي ومدى تفاعله مع مقالاتي التفاوضية والتي بلغ عددها الحالي عشر مقالات تفصيلية تناولت مقدمة تمهيدية لعلم التفاوض، ومن ثم نقاط القوة التفاوضية، وتقنيات التفاوض السبعة كما يصنفها كبار منظري علم التفاوض. وفي الحقيقة كان التفاعل ضعيفاً جداً … بل لا يُذكر، والإقبال كان للمضطرين فقط، فالتعليقات التي إستلمتها كانت من طالبة جامعية تود أن تُعدَّ بحثاً عن التفاوض السوري الإسرائيلي، وآخر يود أن يُعدَّ بحثاً عن دور إستراتيجية التفاوض في بناء علاقات إيجابية خارجية، ولعل السبب يعود لأمرين إثنين:

الأول: حداثة مدونتي وقلة إنتشارها، فما زالت الشبكة غير معلومة لدى الجميع.

الثاني: جهل المجتمع العربي بشتى أطيافه وطبقاته لمدى أهمية هذا العلم.

بطبيعة الحال أنا أرجح الأمرين معاً، فموقعي لم يُنهي عامه الأول، وفي مايو القادم سيدخل في عامه الثاني بإذن الله، وأما الأمر الثاني وهو الأهم، أنَّ المواطن العربي المليء بالهموم والفوضى الحياتية لا يأبه لمثل هذا العلم وغير متحمس له أصلاً، فهو مبرمج سلباً على أنَّ التفاوض شيء سيء لما يراه على نشرات الأخبار اليومية مما يقترفه كبار المفاوضين العرب كل يوم، كما يرى الخسائر الجمة التي يُلحقها هؤلاء المفاوضين بأمتنا من تنازلات وإستسلامات وهزائم لا تُعد ولا تُحصى، فضلاً عن تمكين من كانوا في يوم من الأيام تحت سطوتنا بالتحكم في أمورنا وثرواتنا.

كما يعود ضعف الإهتمام العربي بالتفاوض وعلومه إلى فقر المكتبات العربية للمراجع المتخصصة، أنا نفسي بحثت في عدة مكتبات ولم أجد سوى كتابين إثنين فقط، وكلاهما من الكتب المترجمة، والتي عندما تقرأها تشعر وكأنك أعرج يمشي على الماء، لا تسندك قدمك العرجاء في فهم الترجمة التجارية الركيكة، ولا تسندك القاعدة المائية في السير قدماً للإستفادة من الأمثلة الغربية التي لا تعكس واقع الثقافة العربية وطبيعتها، ومن خلال بحثي المستمر في كتب التفاوض ومراجعه تيقنت أنه يكاد ينعدم المتخصصون العرب في هذا المجال، فمن الثلة القليلة التي كتبت في علم التفاوض، الدكتور المصري « حسن محمد وجيه » الذي ألَّف كتاب « مقدمة في علم التفاوض الإجتماعي والسياسي » وكتاب « مباريات التفاوض »، كما ترجم كتاب أو أكثر إلى اللغة العربية، وكُتب الدكتور وجيه يغلب عليها الطابع الأكاديمي الجامعي أكثر من العملي، ولعل السبب في ذلك يعود إلى طبيعة عمله كدكتور جامعي.

من هنا، بدأت جدياً التفكير في تأليف كتاب عربي يجمع العلم التفاوضي كاملاً بحيث يكون مرجعاً غنياً جداً لكل فئات المجتمع الثلاث: السياسية، الإجتماعية، والتجارية، بحيث يعكس الواقع الحقيقي للثقافة العربية والمواقف الصعبة التي يتعرض لها المفاوض العربي مقارنة مع المفاوض الغربي مثلاً، حيث أنَّ المفاوض العربي يجد صعوبة كبيرة في مفاوضة مديره في العمل، أو زوجته في المنزل، أونائباً في البرلمان، أو عميلاً مرتقباً أو حتى من قدامى الزبائن الذين يتصرفون في غالب الأحيان بصبيانة وعدم إكتراث أو شعور بالمسئولية، هذه كلها أمور مهمة لابد من التطرق لها بقلم عربي يحمل أسلوب عربي وعقل عربي، لا مانع من إستخدام التقنية الغربية ولكن بشرط أن ننزلها منزلاً عربياً ثقافةً وتطبيقاً.

من الأمور الأخرى الكثيرة التي تجعل الفرد العربي لا يتمكن من الحصول على المعلومة بسهولة، هو عدم توفر الموارد والمراجع باللغة العربية، وكلنا يعلم أن قراءة اللغة الإنجليزية وفهمها ليس بالسهل لمن لم يتلقى دراسته الجامعية بها، بينما لو كانت هذه الموارد متوفرة باللغة العربية، فذلك سيسهل على القارئ العربي القراءة بلغته الأم والتمكن من الفهم تماماً ليسهل التطبيق.

لقد تابعت حلقة المؤرخ الأستاذ « محمد حسنين هيكل » الأخيرة والتي تكلم فيها عن الخطوات العملية التي سبقت تأسيس الدولة الإسرائيلية المحتلة لفلسطين، وشرح كيف أنَّ اللغة العبرية كادت أن تنقرض لولا هذه الدولة التي وضعت اللغة العبرية على رأس أولوياتها، وجميع الجامعات تدرس باللغة العبرية من طب، إقتصاد، هندسة، محاماة … إلخ، وجميع الكتب والمراجع متوفرة باللغة العبرية تماماً، وفي الوقت نفسه نعيب على جامعات الجمهورية السورية أنها تدرس الطب باللغة العربية، وهي تكاد أن تكون الجامعة الوحيدة في العالم التي تستخدم اللغة العربية كلغة أساسية في تدريس جميع التخصصات بما فيها الطب.

بالتأكيد أنَّ تأليف كتاب ذو قيمة للقارئ ليس بالأمر الهيِّن، فالأمر يتطلب الكثير من المراجع الموثوقة والتي ستحتاج الكثير من الجهد لقراءتها وفهمها وترجمتها، ومن ثم إستخدامها بشكل مطور يُلائم الثقافة العربية كما ذكرت آنفاً، كما أنَّ الكتاب يحتاج إلى أحد مُعتَبَر يقرأة ويُقيّمه ويقدمه إليه، ومن ثم البحث عن دار نشر يروقها الكتاب ومن ثم التفاوض على طريقة نشره، ومن ثم تسويقة، أو أختصر ذلك كله بنشره إلكترونياً، على أية حال، الأمر كما ذكرت صعب وليس بالهيّن، ويتطلب الكثير من التخطيط وإدارة الوقت والجهد ولكنه يستحق المحاولة، وأسأل الله العلي القدير أن يوفقني في ذلك، لأنَّ الأمر بمثابة حلم، إن تحقق … سيُغير مجرى حياتي وطبيعتها إلى الأبد.

أخيراً وليس آخراً، علم التفاوض شيء بدأت فيه التوجه العلمي الأكاديمي لشبكتي، سأستمر بالكتابة عنه إن شاء الله حتى أغطيه تماماً، كما سأستمر بالتمرس على إستخدامه بشكل عملي في مجال عملي في المبيعات الذي تشتد الحاجة إليه هناك، وحتى أضع خطة كتابي الأول في التفاوض وأنتهي من التخطيط له، أتمنى لكم الفائدة الدائمة والخير الوفير.

8 thoughts on “حال المفاوض العربي

  1. كتاباتك رائعة بكل معاني الروعة ولا اخفيك مدى استفادتي من اطروحاتك القيمة فأنت استاذي ومعلمي … أسأل الله ان يجزيكم خيرا وان يعينكم
    ولكم خالص الدعوات
    وإلى الأمام..

    • بارك الله فيك يا حمد، وأنا شاكر ومقدر لمرورك وتعليقك، وسعيد جداً بإستفادتك من مقالاتي التفاوضية.

      وأرجو أن أراك دائماً هنا، تستفيد وتنشر الخير والفائدة للجميع.

      كل التوفيق.

  2. للأسف, لم اقرأ التدوينات السابقة و بدأت بقراءة هذه المقال.
    و رغم انشغالي الشديد إلا أن اعجابي بما قرأت جعلني أوفر بعض الوقت للتعليق على هذه التدوينة.

    حفاظا على الوقت اجعل تعليقي في نقاط:
    1. أسلوب الطرح متناسق و انسيابي.
    2. الموضوع المختار متميز و “ضربة عمر” و لكن تحتاج لمهارة تسويقية عالية لضبط ايقاع المدونة. مثلا ما رأيك بمدونة فاوض أبنائك, فاوض مديرك! بمعنى فن ايجاد الشريحة المتخصصة بحيث تصب فيها خبراتك بشكل متخصص!
    3. أنا مهتم بالتفاوض بسبب مجال عملي, و حتى الكتب الانجليزية مبعثرة في هذا المجال و لكن اختيارك للنقاط العشر شيء ينم عن إدراك عميق عن كنه التفاوض و رغبتك في ايصال الفكرة للجميع.
    4. إشهار المدونة يحتاج لجهد أكبر من إعداد تدوينة, و هذا شيء لا اعلم صدقه و انما هو احساسي و يامكانك سؤال من اشتهرت مدونته.

    تحياتي…

    • @مقداد, مرحباً بك أخي مقداد وشاكر مرورك وتعليقك.

      في الحقيقة تغيرت بعض خططي ومن ضمنها كتاب التفاوض، ولكنه مازال ضمن القائمة التي أنوي العمل عليها بإذن الله.

      وكما تفضلت، موضوع التفاوض أكثر من ممتع ومهم جداً وقد تعرضت له كثيراً في حياتي بسبب مجال عملي وأمور أخرى.

      أما بالنسبة لإشهار المدونة … فأتمنى أن أرى همتك معانا لنشتهر 🙂

      كل التوفيق،

  3. إن شاء الله عما قريب ستفرح بهذا الكتاب، ولكن المهمة صعبة كما أشرت في مقالتي، فلو كان الأمر فقط ترجمة أفكار الكتاب الغرب لكان الأمر هيناً، ولكني أود أن أؤلف شيء عربي ذو قيمة من بنات أفكاري وتجاربي في مجال الأعمال في الوطن العربي، مستنداً بالطبع إلى المبادئ الغربية والخبرات الأجنبية، وأنا واثق من أني سأوفق بإذن الله في إنجاز هذه المهمة وستكون من أول القراء إن شاء الله.

  4. عزيزي أشد على يديك لانهاء كتابك الخاص بالتفاوض فأسلوبك رائع و هان أنت قد بدئت الطريق و لعلك قطعت أكثر من نصفه بأجزائك المتعددة من المواضيع حول فن التفاوض , و سوف أكون من أول قراء الكتاب بإذن الله 🙂

Leave a Comment

Or

إقرأ التدوينة السابقة:
الإختيار … القوة العظمى
Close