تباً لها من حياة لا نفهمها!

تباً لها من حياة لا نفهمها!

على الرغم من عصبيتي الأزلية، إلاَّ أني أصبحت أميل في الآونة الأخيرة إلى الهدوء كثيراً، خصوصاً عندما تخطيت الأربعين، بل أصبحت أنفر من الأماكن التي يشوبها الضجيج من خلال سماعات الجوَّال التي تعزف في أذني ما تهوى روحي من الموسيقى، كما أصبحت أجتنب النقاشات الحادة التي تعلو فيها الأصوات.. وكأنَّ روحي أصحبت لا تحتمل! أيضاً أصبحت أجتنب السجال والجدال، وعندما يُقال لي: (حاول أن تُقنع فلان) أقول لهم: (الله يجعله ما اقتنع!)، فلم يعد يُهمني أن يقتنع الناس برأيي، أقوله مرة.. وهم بعد ذلك أحرار بالأخذ به أو الإعراض عنه.

بسبب طبيعة حياتي الأُسَرية التي أُركِّز فيها على التربية أكثر من الرعاية، أحتاج إلى إجراء الكثير من الحوارات مع فتياتي اللاتي يحتجن إلى صداقتي خصوصاً في عمر المراهقة، وقد يحتجن أن يسمعن لي أكثر من زوجتي في كثير من الأحيان، الأمر الذي يجعلني بعيداً عن الهدوء. وكوني أب لثلاث فتيات، فبالتأكيد كل ما أحتاج إليه هو الهدوء كي أنجز الكثير من مشاريعي كالبحث والقراءة والكتابة والتأليف. وقد يكون هذا الأمر من أكثر الموضوعات التي تتردد دائماً في حديثنا أنا وزوجتي، حول ضرورة وجود مكتباً منفصلاً لي في المنزل، أو السفر وحيداً بين الفينة والأخرى لإنجاز ما يمكن أنجازه.

عندما انتقت مؤخراً من كندا إلى قطر، نقلت أسرتي إلى الأردن مؤقتاً إلى أن أجهِّز لهم أمور استقدامهم في الصيف القادم بإذن الله، وبالتالي أصبحت لدي فرصة ذهبية لإنجاز مشاريعي العالقة في هدوء وسكينة، وقد تكون هذه المرة الأولى في حياتي التي أبتعد فيها عن عائلتي منذ أن أسستها من ١٤ عام، ولاحظت خلال هذا الإنتقال أنَّ هناك أمور أخرى في الحياة.. الإبتعاد عنها أصعب بكثير من الإبتعاد عن كندا ونظامها.

عندما بدأ الهدوء يتخلل حياتي الجديدة، أصبحت أمارس أموراً أخرى غير التي كنت أخطط لها طيلة اليوم، فمن المفترض حسب الخطة التي وضعتها، أني أستريح قليلاً فور عودتي إلى المنزل ومن ثم البدء في الكتابة في محاولة لإنهاء كتابي الأول الذي أعكف عليه منذ سنوات. لكن عند عودتي أصبحت أجلس وحيداً أنظر إلى الحائط سارحاً أتفكر في أمور كثيرة.. أعيد شريط حياتي وأسترجع الكثير من المواقف والذكريات، وكأنه أصبح تمريناً يومياً! وقد يأخذ مني ساعات متتالية دون أن أشعر إلى أن ينتهي اليوم وأخلد إلى النوم دون أن أكتب كلمة واحدة، وأصبحت في حيرة من أمري.. وكأني أحصل على أمر كنت أنتظره للإنجاز.. لأفقد آخر!

عندما أستيقظ في اليوم التالي، أشعر بضيق في صدري لأني ضيَّعت مساء اليوم السابق ولم أنجز فيه شيء يُذكر، وعلى الفور أجدد نيَّة استئناف الكتابة والإلتزام بخطتي.

الطريف في الموضوع أني بعد مرور شهرين على هذا الحال، بدأت ألاحظ أنَّ الوقت المسائي الذي أنفقه في السرحان لم يعد وقتاً ضائعاً، فمن خلاله أصبحت أنتبه إلى كثير من الأمور التي لم أكن أفهمها في السابق!

لم أكن أدرك أنَّ ضجيج فتياتي في المنزل كان نبض حياة الإنجاز التي كنت أنعم بها دون أن أشعر! وجودهم حولي كالفراشات كان بمثابة المُحفِّز للعمل، فقد كُنَّ بالنسبة لي كألوان الطيف التي أخرجت روحي من رمادية الحياة. زوجتي التي كنت أراها تتفنن في استفزازي.. في حقيقة الأمر كانت الجدار الذي استندت عليه طيلة السنوات الماضية.

عندما كنت أتحدث عن الأسرة المسلمة في كندا وعن كيفية حمايتها من الضياع، كنت أقول دائماً أني أعشق الأدوار التي ألعبها في حياتي كزوج وأب، لأنَّ هذه الأدوار تمنحني فرصة أن أكون مُعلِّماً.. المهنة التي أحبها من أعماق قلبي! واليوم تأكدت تماماً من أني فعلاً آعشق ما أقوم به في نطاق تلك الأسرة.

بدأت أفهم أنَّ الإنسان يحتاج إلى الأمور المعنوية أكثر من الأمور المادية كي يُنجز، وهذا يُفسِّر سبب تحصيل النجاح في دول العالم الأول بعيداً عن مقبرة العالم (الوطن العربي) التي تُجهز على كل شيء جميل في نفوسنا وتحوِّلنا إلى قطيع من الأنعام البائسة.

عندما أسست أسرتي الصغيرة، مررت بكثير من التحديات التي كانت تحتاج إلى قرار مصيري، وعندما تكون رب أسرة، لا يمكنك أن تتخذ ذلك القرار من دون دعم أُسَري يمنحك الثقة اللازمة على اتخاذه، ووقتها لن يهمك أحد حتى لو خالفك العالم كله.. سيكفيك فقط دعم أسرتك التي تحولك إلى جبل شامخ في مواجهة الرياح العاتية.

عندما كنت أستقيل من عمل لا أطيقه من دون الحصول على عمل آخر، كنت أشعر بوهن في جسدي وضيق في صدري وخوف في قلبي بسبب الضعف الذي يعتريني لأني لا أملك دخلاً مادياً، في تلك اللحظة.. كل ما كنت أحتاجه هو كلمة من زوجتي تقولها لي: (لا يهم.. سنصبر وسيأتيك عمل آخر لا محالة.. فأنت تستحق أفضل من ذلك العمل الذي تركته).

تلك الكلمات كانت كفيلة بأن تُعيد لي قوتي من جديد، لأذهب بعدها إلى مقابلات العمل بثقة لا يمكن وصفها، فوقتها ليست الخبرة أو المهارات التي تجعلني أحصل على عمل جديد.. بل الثقة التي اكتسبتها من أسرتي الصغيرة، والتي جعلتني أكبر من صعوبة الموقف بكثير!

أتساءل.. إن لم تكن الأسرة لمثل تلك المواقف.. فلما هي إذاً؟!

عندما نغترب بعدياً عن أُسرنا، فإننا نفقد جزءاً من كياننا، ذلك الجزء الي يجعلنا نصمد أمام تحديات الحياة دون أن نشعر، وقد نحاول تعويضه عن طريق الأصحاب والأصدقاء، لكن سرعان ما نُدرك أنه لا بديل عن الأسرة.

لا يفهم معنى الحياة إلاَّ مَن يعيشها حقاً، وكثير منا يعتقد أنه يعيشها.. ولكنه ليس كذلك!

مسكين مَن ليس له زوجة.. ومسكينة مَن ليس لها زوج! أدركت اليوم أنَّ كل جهد في هذه الحياة لا يصب في تأسيس أسرة هو جهد ضائع! فهي محور الحياة والذرية بذور استمرارها، والصالح منا مَن يجتهد في سُقياها وإنباتها، ويالها من مهمة مُمتعة!

سأقول كلمة، أتمنى ألاَّ تُفهم خارج سياقها..

اليوم قد أتفهَّم تماماً نِعَماً كثيرة منحها رب العالمين لنا، حرمتنا مجتمعاتنا الفاسدة من فهمها، من تلك النِعَم.. (نعمة الزواج)، (نعمة الطلاق) و (نعمة التعدُّد)، كلها نِعَم لا يفهمها إلاَّ مَن يعيش الحياة حقاً!

حاول أن تعيش الحياة الحقيقية كإنسان.. ووقتها قد سترى وجهاً آخر لها غير ذلك الذي تعيشه اليوم.

دمتم وأُسَرِكم مُشرقة بكل حب 🌹

Leave a Comment

Or

إقرأ التدوينة السابقة:
لماذا يُنكرون؟
Close