اتركوا الإسلام وشأنه!

اتركوا الإسلام وشأنه!

في يوم الخميس الماضي، وبينما كنت أستعد لاجتياز إمتحان رخصة القيادة في العاصمة القطرية الدوحة، صعد الضابط إلى المركبة وجلس بجانبي وطلب مني الإنطلاق. وبينما كنت أحاول إظهار خبرتي في القيادة، سألني الضابط: (هل أنت فلسطيني؟) وكان ينظر إلى جنسيتي الكندية المكتوبة أمامه في استمارة الإمتحان.

فقلت له: (الله يسلمك أنا فلسطيني أردني كندي!)، وأضفت: (أزيدك من الشعر بيت، أنا من مواليد الكويت، وأوكراني الدراسة، سعودي الخبرة، واليوم قطر الدولة السادسة التي أضيفها إلى قائمة خبراتي الحياتية!).

فتبسَّم وقال: (والنعم فيك وفي كل إخوتنا العرب، أتمنى لك إقامة طيبة في قطر).

وخلال الحديث الذي تشعَّب بيننا، قلت له: (أتدري يا حضرة الضابط ما أكثر شيء يُميِّز أبناء جيلي؟)، فقال: (ماذا؟)

قلت: (ما يُميِّز جيلنا أننا شهدنا أحداثاً تاريخية مهمة وكثيرة ومتسارعة في وقت قصير جداً، سواء على مستوى تكنولوجيا المعلومات وتطوُّرها، أو على مستوى المشاكل السياسية والحروب، فعلى سبيل المثال لا الحصر، لن أنسى صباح يوم الخميس من عام ١٩٩٠م عندما استيقظناعلى أصوات مُدرَّعات الجيش العراقي الذي غزى كل شبر في الكويت، ولم أكن أتخيل أن أرى سقوط دول عربية وتمزقها وتَشرُّد أهلها بالملايين كما شهدنا في عصرنا الحالي منذ ٢٠١١م، والأهم.. أنه لم يكن يخطر لي أن أرى أشقاء مجلس التعاون في فُرقة وتَمزُّق!).

إنتهيت من الإمتحان وحصلت على الرخصة، وذهبت بعدها إلى عملي وأنا مُبتهج لذلك لاكتمال أوراقي الرسمية في هذه البلاد.

وفي طريق العودة، راجعت الأحداث المأساوية التي يشهدها زماننا بالفعل، واسترجعت الحديث الذي دار بيني وبين الضابط خلال الإمتحان، وتذكرت أني لم أخبره بأسوأ أمر يشهده زماننا على الإطلاق.. تحريف الإسلام!

لعلكم تذكرون أني كنت دائماً ما أذكر خلال كتاباتي السابقة كلمة (الإسلام الكاثوليكي)، وقد أكون أول مَن ابتدع ذلك المُصطلح الذي أردت من خلاله الإشارة إلى الإسلام العصري المُحرَّف، والذي لا يمت لإسلام السماء الذي جاء به محمد بن عبدالله ﷺ بأي صلة!

ولعلكم تذكرون ما ذكرته لكم صراحة في معايدة شهر رمضان المبارك لهذا العام، عندما قلت:

(أنَّ الإسلام اليوم يتم تحريفه وضرب أركانه، لنبقى أنا وأنتم خط الدفاع الأخير عن هذا الدين، نحمله بإذن الله نقياً من جيل إلى جيل إلى أن نلقى الله سبحانه وتعالى غير مُحرِّفين أو مُبدِّلين أو مُميِّعين أو مُعطِّلين لأحكامه الحنيفة)

وكنت أعني كل كلمة في ذلك التسجيل بكل ما تعني من معنى.

عندما كنت يافعاً ودرست علامات الساعة الصغرى والكبرى، علمت وقتها أنَّ تحريف الإسلام أمر سيحدث يوماً ما، وكُفر فئات – ليست بالقليلة – من المسلمين بعقيدة التوحيد آتٍ لا محالة، مصداقاً لما رواه ثوبان مولى رسول الله ﷺ في الحديث الطويل وهذا جزء منه: (ولا تقوم الساعةُ حتى تلحقَ قبائلٌ من أمتي بالمشركين، حتى تعبدَ قبائلٌ من أمتي الأوثانَ) ١٧٧٣ صحيح الجامع للألباني.

كنت أعلم كل هذا الكلام ومؤمنٌ تماماً بحدوثه، ولكني لم أكن أتوقع أني سأشهد هذا (الإنتحار الديني) في حياتي وأمام أعيني! كنت أعتقد أنَّ ذلك زمان بعيد جداً سيشهده أحفادنا، ولكن على ما يبدو أنَّ تطور التحريف والكفر بات اليوم أسرع من تطور الآيباد والآيفون!

ولا يخفى عليكم ما قاله الخَرِف التونسي حول ميراث المرأة وزواجها من غير المسلم، وهذا ليس بغريب على تابع قضى حياته في خدمة الطاغوت، لكن الغريب عزيزي القارئ ليس فجور «السبسي» وكفره علناً بنصوص القرآن الثابتة والدعوة إلى تحريفها، فقد فعلها قبله الكثير من الرؤساء ومازالوا يفعلونها في استماتة لموالة شياطين الإنس والجن واسترضائهم، ولكن المشكلة تكمن في عمائم الشيطان الذين يُباركون ذلك الكفر ويعتبرونه تطوراً فكرياً قابل للنقاش والتداول، مع إضفاء صبغة شرعية لكل ما يَهذي به طاغية أو يُهرطق به سفَّاح.

وصدق الله العظيم إذ قال: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} ١٠٣ يوسف، فعندما تكثر الفتن ويزداد الجهل، تجد الناس للكفر أقرب.. لأنه الأسهل!

تعلمت خلال إقامتي في الغرب أنه لا ينبغي لي أن أكترث لمَن شاء أن يؤمن أو مَن شاء أن يكفر، فهذه حرِّيات شخصية مكفولة لجميع البشر وهم أحرار بمعتقداتهم، فمَن لم يعجبه الإسلام وكره شريعته وأراد الخروج منه.. له كامل الحرية في ذلك الخروج، وهنيئاً له في اختياره، وكما يُقال بالعامية (الدرب إلِّي تِسد وما تِرد!)، والأهم، أنَّ يوم حساب بين يدي رب الأرباب آت على جميع العباد، وهو الأولى سبحانه بتولي محاسبتهم.

لكن من غير المقبول أن يرضى المسلم الحقيقي بتحريف الإسلام وشريعته الغرَّاء جهاراً نهاراً وأمام أعينه وكأنَّ في الأمر سعة، وكأنَّ نصوص القرآن (القطعية الثبوت) باتت تحتمل نقاشاً مفتوحاً من أجل تطويرها!

ولعله قد فات الكثيرين أنه بمجرد الإعتقاد بأنَّ نصوص القرآن الكريم باتت مُتخلِّفة لا تواكب عصر الشيطان الذي نعيش فيه، فهذا إقرار ضمني بالكفر بتلك النصوص، والنتيجة البديهية هو خروج صاحب ذلك الإعتقاد خارج دائرة الإسلام.

المشكلة اليوم أنه أصبح المسلم لا يدرى إلى أين يفر بدينه، هل يذهب إلى الشرق المنافق؟ أم إلى الغرب المُدَجَّن؟ وكأني أرى قُرب ما تنبأ به رسول الله ﷺ يوم قال: ((يوشك أن يكون خيرُ مالِ الرجلِ غنمٌ، يتبعُ بها شعَفَ الجبالِ ومواقعِ القطرِ، يفرُّ بدِينه من الفتنِ)) ٣٣٠٠ صحيح البخاري.

أي ستصبح الهجرة مع قليل من الغنم إلى قمم الجبال حيث هبوط المطر هو أفضل حل للمسلم كي يفر بدينه قبل أن يُجبره الطغاة على اعتناق (الإسلام الكاثوليكي) والذي سيصبح يوماً ما منهجاً شرعياً يُدرَّس لأطفالكم في المدارس والجامعات!

سيأتي يوم ليس ببعيد، نرى فيه الأئمة يتخرَّجون من تلك الجامعات حاملين لتلك العقيدة المُحرَّفة يروِّجون لها بكل حجة وبرهان شيطاني، ليَصدُق فيهم قول رسول الله ﷺ يوم سأله الصحابي «حذيفة بن اليمان» في الحديث المشهور: ((هل بعد ذلك الخيرِ من شرٍّ؟)) قال ﷺ: ((نعم، دُعاةٌ على أبوابِ جهنمَ، مَن أجابهم إليها قذفوه فيها)) ١٨٤٧ صحيح مسلم.

وبعد كل ذلك الإفتراء، يتساءل هؤلاء الكارهون للإسلام بكل صفاقة: (من أين أتى الإرهاب؟! ما هي أسبابه ولماذا هو في نمو؟!) ليؤكدوا على حماقتهم التاريخية!

والجواب بكل بساطة: (إذا أردتم دحر الإرهاب، أتركوا دين الله وشأنه!).

في الختام، أسأل الله ألاَّ يُحيينا إلى ذلك الزمان القبيح الذي نُضطر فيه إما لاعتناق الإسلام الكاثوليكي، أو الفرار بديننا إلى شعَف الجبال!

دمتم وعقيدة التوحيد بألف خير.

Leave a Comment

Or

إقرأ التدوينة السابقة:
ما الذي يريده العرب؟ – تدوينة مرئية
Close