لماذا لم أشترِ بيتاً في كندا؟ – الجزء الأول

لماذا لم أشترِ بيتاً في كندا؟ - الجزء الأولبداية، دعوني أخبركم أني في حياتي كلها لم أقدِّر ما ذكره رسول الله ﷺ في الحديث الشريف عن أنَّ المسكن الواسع من السعادة في الحياة الدينا، إلاَّ عندما هاجرت إلى كندا وسكنت الشقق الصغيرة المُعلَّبة! فقد أورد الألباني حديثاً في صحيح الجامع عن رسول الله ﷺ يقول فيه: ((أربعٌ من السعادةِ: المرأةُ الصالحةُ، والمسكنُ الواسعُ، والجارُ الصالحُ، والمركبُ الهنيءُ. وأربعٌ من الشقاءِ: المرأةُ السوءُ، والجارُ السوءُ، والمركبُ السوءُ، والمسكنُ السوءُ)).

كلما تقدم العمر وكبرت العائلة، كلما احتاج الإنسان إلى مساحة أكبر في منزله ليختلي فيها أفراد العائلة عند الحاجة بحثاً عن الهدوء من أجل التفكير والإنجاز، ولتخفيف مشاحنات الأسرة والتي تكثر بسبب ضيق النفس الناتج عن ضيق المساحة. الأمر الذي يُفسِّر كثرة روَّاد المقاهي والمكتبات العامة في كندا لتوفير نوعاً من الهدوء يتيح لهم المجال للدراسة وانجاز الأعمال.

فروَّاد المقاهي والمكتبات ليسوا فقط من طلبة المدارس والجامعات، بل أيضاً من الموظفين والعاملين في الشركات الذين لا يجدون كفاية من الهدوء لالتقاط الأفكار من الهواء وتدوينها على الورق، أنا نفسي من ضمن الذين يعانون تلك المعانة مع المساحة الضيقة جداً.

وعلى الرغم من حاجتي الشديدة لتلك المساحة، إلاَّ أني آثرت البقاء في الشقق المُعلَّبة لأني لم أقتنع بفكرة شراء منزل في كندا، ولدي أسبابي الوجيهة التي قد تتفق عليها فئة من الناس وتختلف أخرى.

الذين يشترون البيوت في كندا ويتكبدون عناء الديون البنكية، غالباً ما يُرددون الأسباب التالية التي دفعتهم لذلك القرار المُرهق: (الحرية) و (الإستقرار) و (الإستثمار)، وأنا شخصياً لا أرى أيَّاً من تلك المصطلحات ينطبق على العقار الكندي، ففي حقيقة الأمر العقار في كندا هو الذي يملكك وليس أنت من تملكه!

دعونا نتكلم اليوم عن قضية الحرية لأنها مهمة جداً، ففي كندا إذا أردت النجاح، فعليك أن تكون حراً بكل ما تعني كلمة الحرية من معنى، وعليك تقليل القيود التي تفرضها عليك ثقافة الحياة في كندا، الأمر الذي أدركته مُبكراً في حياتي لأنَّ لي أهل قد استوطنوا في أمريكا منذ عقود، وكنت شاهداً على معاناتهم مع امتلاك العقار هناك، والوضع في أمريكا شبيه جداً مع الوضع في كندا.

فمن تلك القيود التي تفرضها عليك الثقافة الكندية هو شراء المنزل الذي يُقيدك بسبب الطريقة التي ستتملكه بها من جهة، والتكاليف الملازمة له على مدار السنة من جهة أخرى.

فمن الحرية التي يجب عليك أن تتمتع في كندا هي حرية الإنتقال بين مدن كندا ومقاطعاتها بحثاً عن الرزق إذا تطلب الأمر ذلك، فالفرص في كندا تتقلَّب كثيراً والإستمرار في وظيفة واحدة لمدة سنتين أصبح أمراً نادراً في كثير من الوظائف، خصوصاً في أيامنا هذه التي تعاني فيها كندا كباقي دول العالم من أزمات إقتصادية جرَّاء هبوط أسعار النفط وغيرها.

فبعض المهن لا يمكن لها أن تجعلك مستقراً في مكان واحد، وما حدث في مقاطعة ألبرتا خلال العامين الماضيين خير دليل على ذلك، فتلك المقاطعة تعتمد إعتماداً كلياً في دخلها على استخراج النفط وتصديره، وقد خسر الكثير من سكانها وظائفهم مع هبوط أسعار النفط العالمية، الأمر الذي أدَّى ببعضهم إلى هجر المقاطعة إلى أخرى بحثاً عن عمل، وبالطبع قاموا بتسليم بيوتهم التي اقترضوا ثمنها إلى البنوك لعدم قدرتهم على دفع القسط الشهري للرهن العقاري، وبالتأكيد هنالك الكثير من الخسارة المالية صاحبت ذلك التسليم بسبب كثرة المعروض في السوق وانعدام الطلب، وبالتالي خسارة مبلغ كبير تم دفعه على المنزل كدفعة أولى لحظة شراءه لا تقل عن ٢٠٪ من قيمة المنزل.

يمكن مشاهدة التقرير التالي من قناة CBC الذي يُسِّط الضوء على هذه الأزمة في تلك المقاطعة والتي يمكن لها أن تحدث في أي مقاطعة أخرى (Mortgage Defaults in Alberta).

خلال حياتي، تنقلت بين الكثير من البلدان وسكنت أكثر من قارة حول الأرض، وفي كل مرة كان يقيني يزداد بأنه لا يوجد أفضل من أن تكون دائماً على أهبة الإستعداد للإنتقال، وذلك بسبب صعوبة العيش في مكان واحد، وحرية التنقل تحتاج إلى أن تكون حراً في المال الذي تملكه (Cash is King)، فإذا كان مالك مرتبطاً بعقار واضطررت إلى الرحيل، فقد يكون من الصعب تحويله إلى سيولة مادية إن لم يكن سوق العقار جيداً للبيع في ذلك الوقت.

عندما هاجرت إلى كندا، سكنت مدينة لندن في مقاطعة أونتاريو وأحببت أن أستقر فيها، وكنت على وشك شراء شقة على أمل أن أجد فيها عمل، ولكن بعد بحث مُضني لم أجد فيها أي فرصة عمل، وجائتني الفرصة في مدينة (سكاربرو – Scarborough) والتي تبعد ثلاث ساعات عن لندن، وكنت بين أن أختار البقاء أو الإنتقال إلى مدينة قريبة من مكان عملي الجديد، وبالطبع قمت بإلغاء فكرة شراء العقار في لندن وانتقلت إلى مدينة ميسيساجا لتقل فترة قيادة المركبة من ثلاث ساعات إلى ساعة واحدة.

رأيت في كندا بعض الناس الذين أصرُّوا على البقاء في بيوتهم التي اشتروها، ورفضوا الإنتقال لوظائف في مدن ومقاطعات أخرى بسبب ذلك العقار، وكانت النتيجة تراكم الديون وفوائدها ومن ثم الفقر! وبالطبع كان بمقدورهم عرض البيت للبيع والإنتقال، ولكن الأسباب التي تمنعهم من ذلك كثيرة، منها أنَّ سعر المنزل في السوق لا يكون في أحسن أحواله في ذلك الوقت، أو بسبب التقدم في العمر وعدم الرغبة في الإنتقال، وغيرها من الأسباب كثيرة.

بالمقابل، رأيت نوعاً آخر من الناس رفضوا بيع منازلهم لأنها كلَّفتهم الكثير من المال، وقرروا أن يقبلوا بوظائف بعيدة عن منازلهم، فاختاروا ركوب القطار كي يجمعوا بين فرصة العمل والبقاء في ممتلكاتهم، الرحلة التي قد تستغرق للبعض من ساعتين إلى ثلاث، ولكم أن تتخيلوا التعب والإرهاق الذي يعتريهم لحظة وصولهم إلى منازلهم.

بالنسبة لي ولعائلتي كان امتلاك الحرية أولى من امتلاك المنزل، ونصيحتي لكل من ينوي القدوم إلى كندا مهاجراً، أن يجعل آخر همَّه شراء المنزل، وعوضاً عن ذلك.. إجعل أكبر همَّك أن تكون حراً، حراً بامتلاكك السيولة المادية، حراً من الديون، حراً من قيود البنوك، حراً في انتقالك بين المدن والمقاطعات إذا ما اضطررت لذلك، حراً في كل شيء وقدر المستطاع.

كلمة أخيرة، من ضمن الأمور التي دائماً ما تجعلني أصرف النظر عن شراء المنزل، هو أملي في العودة إلى الشرق يوماً ما، فدائماً كان حلمي أن أعود لأساهم في نهضة الشرق، ولا أخفيكم أنَّ هذا الحلم أصبح يتقلص يوماً بعد يوم بسبب الأوضاع الإقتصادية الصعبة هناك، ناهيك عن الأزمات السياسية التي لا تنتهي، إضافة إلى تعلقي الذي يزداد بالثقافة الكندية، ورغبتي في أن أستيقظ في كل صباح لأرى من نافذة المنزل شوارع كندا التي أحب.

نعم نعم، أعلم تماماً أنها أهداف متناقضة، وصدقوني أني لا أدري كيف الخلاص من ذلك التناقض؟!

ختاماً، أنا أعلم أنَّ الكثير من الحالمين بالإستقرار في كندا لا يرغبون في أن يسمعوا كلاماً يُنغص عليهم حلمهم، ولكنها الواقعية يا أعزاء، وأنا أرى أنه لا يمكن لنا أن ننهض بأنفسنا من دون فكر واقعي ينتشلنا من عالم الأحلام وقصص المجتمع الخرافية والتي غالباً أبعد ما تكون عن الواقع!

8 thoughts on “لماذا لم أشترِ بيتاً في كندا؟ – الجزء الأول

  1. معك كل الحق … انا معمريش شفت كندا لكن من خلال البحث … الموضوع ليس استثمار كما يظهر للبعض لارتفاع المصاريف السنويه و الضرايب المرتبطه بقرار الشراء … طبعا بالاضافه لفكره الحريه اللي هي هامه جدا

  2. أظن أن وجهة نظرك أستاذ حسين قابلة للتغير بتغير الظروف ، فلو حدث و شعرت بالإستقرار الوظيفي أو قمت بتأسيس عملك الحر في مدينة معينة و بدأت الأمور تسير على ما يرام ، و تكون لديك فائض مادي تريد إستثماره ، فسوف يكون العقار ( المنزل الشخصي ) أول الأمور التي ستفكر بها .

    فحتى ان اشتريت بيتا و بعته بعد خمس سنوات بنفس القيمة التي أشتريته بها ، فسوف تكون في حينها قد وفرت قيمة الأيجار الذي تدفعه حاليا لمدة خمس سنوات .

  3. أخ حسين
    1- لماذا لا تؤجر البيت الذي اشتريت وتنتقل لعملك الجديد

    2- في حال عدم اقتناعك بالشراء ما هي خيارات الاستثمار الأخرى في كندا؟

    مع التحية

  4. الله يعطيك العافية علي هذا الموضوع الشيق، لقد اعجبني الموضوع ولكن عندي تحفظات علي بعض النقاط والتي تطرقت إليها في موضوعك.

    أولا ، موضوع شراء البيت هو احد الخيارات والتي تتاح للشخص وكما اعتقد هو احدي الحريات والتي نمارسها كأشخاص مثلها مثل حرية اختيار السيولة المالية أو اختيار الاستثمار في السوق المالية وغيرها من الاستثمارات، ولورجعنا الي السيولة المأدية، فهي ايضا تقع تحت حسابات الربح والخسارة، لأن القيمة الحقيقية لأي نقود قد تخسر وتقل قيمتها بوجود تضخم اقتصادي، فانت تعرف أن القيمة السوقية ل ١٠٠ دولار الان، هي اقل بكثير من القيمة السوقية ل ١٠٠ دولار قبل سنة أو ١٠ سنين، فمعناه ان الادخار المالي اذا ترك بدون استثمار وبدون زيادة قيمة سوقية سيؤدي الي خسارة كبيرة في الادخار، ومقولة ان money is a king ينطبق فقط في الفترة بين الأزمات الاقتصادية عندما يبيع الشخص شيء في سوق قوي ذو اسعار عالية وينتظر حتي تهدا السوق ويشتري نفس الشيء بسعر أقل!

    النقطة الثانية، وهي حرية التنقل والتي ذكرتها، انا اعتقد ان امتلاك عقار في مدينه اقتصادية قوية، وموقع جيد لا يحد من انتقال الشخص، فلو قررت أنا اليوم ، اغلاق شركة العقار والتي امتلكها والانتقال الي مدينة اخري أو حتي بلد اخر، كل ما علي عمله أن أعرض بيتي للبيع بالسعر المناسب والذي يجب أن يحاكي اسعار السوق، وسيباع بيتي في وقت قصير نسبيا أن كانت السوق قوية او يأخذ بعض الوقت أن كان الطلب ضعيفا، كل ما علينا فعله هو التخطيط السليم، ففكرة الانتقال الي مدينة اخري لا تأتي في ليلة وضحاها، اعتقد ان التخطيط السليم او السيء هما اهم الاسباب للبيع بسعر جيد أو الخسارة في ثمن البيع. والذي حصل في البيرتا أسبابه اقتصادية بحتة، فلو حصل العكس وارتفع سعر البترول لراينا ارتفاع كبير في اسعار البيوت هناك كما يحصل في تورنتو الان!
    ثالثا واخيرا، انا اعتقد، ومن متابعة سوق العقار، ان افضل استثمار هو الاستثمار في بيع وشراء البيوت، وانا لن اتطرق لنقطة اذا كان هذا الشراء اتي من المال الشخصي الخالص او اتي بعضه من قروض بنكية، فهذا موضوع اخر لاننا كلنا لدينا قناعات مختلفة وانا احترمها كلها، ولكن وكما يقولون، العقار يمرض ولكن لا يموت، وشراء العقار يزيد من الثروة الشخصية لكل منا بطريقتين، عندما تؤجر منزلا فانت تدفع لصاحب البيت دفعاته الشهرية، ومع ارتفاع الايجار الكبير في تورونتو، لو دفع هذا المبلغ في تسديد القرض العقاري، سيساهم هذا بزيادة الثروة الشخصية لصاحب البيت ويزيد القيمة الفعلية لادخاره في المنزل، والاهم من هذا، ان سوق العقارات تزداد بنسبة وسطية تقدر ب ٦ بالمئة بالسنة (هذه السنة كانت نسبة الزيادة اكثر من ٢٢ بالمئة) مما يعني زيادة الثروة الشخصية لصاحب العقار.
    بالاخير، بماذا نشتري ومتي نشتري هي امور ترجع الي قناعات مختلفة لدي اشخاص مختلفين وما التوفيق الا من عند الله!

    منتصر عبده
    وكيل عقاري

  5. مقال رائع .. في انتظار الجزء الثاني. و ياريت فيديو كما تعودنا منك. أحب اضيف نقطتين فقط:

    – الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا. اعلم ان هناك استثناءات بسيطة و لكن بشكل عام الربا ليس فيه اي بركة.
    -Life is too short to live in one place

  6. أخي حسين
    انتظرت مقالك منذ فترة حتى ابرر لنفسي قرار شرائي لبيت وهل كان صحيحا ام لا!
    لكن المقال لم يغطي موضوعه أبداً
    انا شخصيا كنت أتوقع وجود ارقام واحصاءات وأيضاً قراءه للمستقبل الكندي العقاري.
    ارقام تخص نسبة التضخم في العقار على مدار العشر سنوات الماضية وقراءة للخمس سنوات القادمة
    ارقام عن عدد المالكين للبيوت وعدد المستأجرين على الأقل في مقاطعتنا اونتاريو
    نسبة الإيجار من دفعة الرهن العقاري
    بعتقادي المتواضع أن قرار شراء منزل يتبع تحليل make or buy decision
    وهو تحليل عميق يبتعد عن الرغبة وبوجود معطيات حقيقة قوية قد لا تتفق مع مدخلات “متوقعه”

    مره اخرى اشكرك على مقالك وما أردت توضيحه هنا أن المقال هو “لماذا لم يشتري الكاتب”حسين يونس الذي نحبه” بيتاً في كندا” واتمنى ان يغطي الجزء الثاني ما أشرت إليه
    واشكرك على مقالاتك جميعا

    • أخي هيثم.. ألم تقرأ (الجزء الأول) بجانب عنوان المقال؟

      أخي الكريم أنا أكتب عن رأيي وتجربتي الخاصة، فأنا لست خبيراً عقارياً وما سأكتبه سيكون ضمن قدراتي على التحليل في هذا المجال ومن وحي تجربتي فقط!

      قد تحتاج إلى خبير عقاري لتحصل على ما تريد.

      كل التوفيق

      • السلام عليكم
        اعتذر عن التدخل والمقاطعة لكن وددت ان ألأفت نظرك للجانب الديني,,,,اين الاسلام من واقع امتلاك عقارات في كندا عن طريق البنوك هل هو حلال ام حرام؟ربا وفائدة والخ؟ لماذا لم تتطرق لهذا الموضوع؟

Leave a Comment

Or

إقرأ التدوينة السابقة:
الشعوب وقود الفتن
Close