تل أبيب .. اليوم سأعتذر!

تل أبيب .. اليوم سأعتذر!

خلال زيارتي الأخيرة لفلسطين، كانت لي عدة لقاءات مع شبابها في مناطق الضفة الغربية والـ ٤٨، ومن المدن التي قمت بإلقاء محاضرة فيها كانت مدينة (تل أبيب) عاصمة إسرائيل في الأراضي المحتلة، وعندما أعلنت على السوشال ميديا عن تلك الزيارة، جاءت ردود الأفعال متباينة بين مَن بارك هذه الزيارة وشدَّ على يدي كي أعيدها، وبين مَن إستنكرها رفضاً للتطبيع مع إسرائيل .. مُفترضاً أني كنت أُحاضر بصهاينة في الجامعات العبرية، وبين مَن إستفهم عن أهداف الزيارة وهوية الحضور، وكلها ردود أفعال لها وجهة نظرها ويمكن تفهُّمها، لكن ما عجزت عن تفهُّمه .. ردود الأفعال التي جاءت على هيئة (لماذا قلت تل أبيب؟) .. (هذا ليس بإسمها .. من أين أتيت به؟!) .. (أطلق عليها إسمها الأصلي .. تل الربيع!).

من الجدير بالذكر أنه خلال زيارتي لتل أبيب، قمت ببث مرئي مباشر عبر الفيسبوك وذكرت فيه إسم تل أبيب حرفياً وأنَّ إسمها العربي الصحيح هو تل الربيع، واليوم .. قررت أن أعلن توبتي إلى الله أمامكم لذلك الخطأ الذي إرتكبته، فأرجو أن تقبلوا إعتذاري!

في كتاب (رحلة قلم) يذكر إمام البيان «عباس محمود العقَّاد» في رحلته الوحيدة التي قام بها إلى فلسطين في صيف عام ١٩٤٥م والتي كانت قبل حرب فلسطين بثلاث سنوات، أنه لم يشهد صراعاً حضارياً بين مدينتين كذلك الذي كان دائراً بين مدينتي يافا وتل أبيب، وكان قد شبَّه يافا بالشيخة الصبورة أمام تل أبيب الفتاة الماكرة اللعوب التي تحاول سرقة الأضواء منها، ومن أهم ما ذكره أنَّ مدينة تل أبيب قد ولدت في عهد الدولة العثمانية التي كانت وقتها تحب أن تستعين بالدعاية الإسرائيلية في مقاومة روسيا ودويلات البلقان، ويذكر أنها أُنشئت عام ١٩٠٩م في ضواحي مدينة يافا ليسكنها اليهود، وذكر إسم (تل الربيع) كترجمة حرفيَّة لكلمة (تل أبيب) والتي تُكتَب بالعبرية (תל אביב) وتُلفَظ (تل أڤيڤ)، فكلمة الربيع بالعبرية (אביב) وتُلفَظ (أڤيڤ).

لقد تم إختيار الإسم بدهاء كبير وعناية شديدة ومعاني عميقة! فقد إختار الصهاينة إسم تل أبيب من سِفر حزقيال ٣:١٥ في التوراة والمعروفة بالعهد القديم في إنجيل النصارى:

ثم أقبلت على المسبيين القاطنين إلى جوار نهر خابور عند تل أبيب، فأقمت هناك حيث يسكنون متحيراً سبعة أيام

واعتُبر هذا الاسم جيداً لتَبنِّيه فكرة نهضة الوطن اليهودي القديم، وكما ذكرت آنفاً أنَّ كلمة (أبيب) هي الكلمة العبرية للربيع، ذلك الفصل من السنة الذي يرمز للتجديد والنمو من جديد، وكلمة (تل) بالعبرية تعني التلَّة الأثرية التي تم إنشاؤها مِن قِبَل الإحتلال البشري فوق حضارات قديمة منذ قرون عديدة، وهذا يُفسِّر إطلاق «ثيودور هرتزل» جملة (الأرض القديمة الجديدة – Old New Land) على تل أبيب. فيصبح المعنى الإصطلاحي لكلمة (تل أبيب) من وجهة نظري وحسب فهمي ..

الربيع الذي سيكشف عن الحضارة الأصلية القديمة التي إختارها الله لبني إسرائيل، ودفنها الإنسان المُحتَل تحت كومة مُصطنعة!

أهم نقطة في هذا البحث هو التأكيد على عدم وجود أي مدينة عربية قبل سقوط الدولة العثمانية بإسم (تل الربيع)، بينما كان هناك مدينة يهودية بإسم (تل أبيب) تم إنشاؤها بموافقة الدولة العثمانية العُليا، وهذا خلاف القصة المشهورة والمتداولة بين الناس من أنه كان توجد مدينة عربية تُسمَّى (تل الربيع) تم إحتلالها وتحويلها إلى (تل أبيب)، ولو كان هناك مدينة أصلية للأراضي التي تم إنشاء تل أبيب عليها .. فهي مدينة يافا وليس أي مدينة أخرى، وقد تفاجئت عندما علمت أنَّ الكثير من أهل فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة لا يعلمون حقيقة نشأة تل أبيب!

ونصيحتي ألاَّ تغضب عندما تسمع عربي يذكر إسم تل أبيب .. فهي حقيقة لا يمكن إنكارها أو الغضب من ذكرها. من ناحية أخرى يتفق المؤرخون على أنَّ تل أبيب إستُخدمت فيما بعد لإضعاف مدينة يافا وإبتلاعها وتهجير العرب منها، ولكن هذا مَبحث مُنفصل وبعيد عن موضوع التسمية.

أنا شخصياً سأبقى أستخدم إسم (تل أبيب) كما إستخدمته دائماً، ليس نكايةً بأحد .. ولكن لأنها مدينة حقيقية موجودة على أرض الواقع بمرسوم عثماني تجاوز المائة عام، والأهم .. أنه عندما أزورها في المرة القادمة بإذن الله لألقي فيها محاضرة أو دورة تدريبية، سيتم الإعلان عنها، وسيحتاج وقتها الحضور لإدخال كلمة (تل أبيب) في جاهز الملاحة (GPS) أو (خرائط جوجل) للوصول إلى مكان المحاضرة كما حدث في المرة السابقة، وإدخال أي إسم آخر لن يُساعد في الوصول إلى عنوان المحاضرة، والإستمرار في الإنكار والتشبث بمسمَّيات وقشور بدلاً من التشبث بما هو مهم وحقيقي .. سيزيد من إبتعادنا عن الحقيقة كما إبتعدنا عن فلسطين، لنبقى نتقلَّب من وهم إلى وهم حتى نجد أنفسنا نعاني من تيهٍ أسوأ وأمَرُّ من تيه بني إسرائيل!

Leave a Comment

Or

إقرأ التدوينة السابقة:
هل يجوز ضرب الأطفال في كندا؟
Close