أعراف فوق الإسلام

أعراف فوق الإسلام

في تسعينيات القرن الماضي، وبرفقة شقيقتي « مها يونس » المُقيمة حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية، حضرت ندوة ثقافية في العاصمة الأردنية عمَّان لنقاش (قانون الشرف) المُجحف والمثير للجدل وأثره على المجتمع، وعندما دعتني مها لتلك الندوة، كانت وقتها ناشطة في منظمة العفو الدولية، وفي الحقيقة لم أكن مهتماً كثيراً لحضور هذه الندوة لأني شعرت بأنَّ الأمر لا يعنيني كثيراً، ولكني ذهبت واستمعت إلى النقاش، وشدَّ انتباهي كلمة قالتها المحامية «أسمى خضر» الناشطة أنذاك في مجال حقوق المرأة والتي كانت إحدى الضيوف فقالت: (تُقتَل الأنثى في دولة مدنية ومُتحضرة مثل الأردن بسبب إرتكابها لجريمة الزنا، على الرغم من أنها ليست مُحصنة ولا يوجد شهود لإدانتها!).

قانون الشرف – للذي يجهله – عبارة عن جريمة تتم تحت حماية القانون ورضى المُجتمع، يتم خلالها قتل الإناث بدم بارد دفاعاً عن شرف العائلة أو القبيلة، وأقصى جزاء يمكن أن يناله الجاني سجن لا يتعدى ستة أشهر، يتم بعدها إطلاق سراحه حراً ليُستقبَل من قِبَل ذويه إستقبال الفاتحين وكأنَّ شيئاً لم يكن، وكأن التي قتلها ذبابة لا تنتمي لفصيلة البشر.

على سبيل المثال لا الحصر، يمكن لأي كائن ينمتي لفصيلة الذكور، بكل جرأة (وقاحة) الإقدام على إزهاق روح إناث عائلته فقط لأنه شكَّ في أخلاقهن من دون دليل ملموس أو حتى شهود، وقد حدث أن أقدم شاب يبلغ من العمر ٢٨ عاماً على قتل خطيبته البالغة من العمر ١٨ عاماً برصاصتين في رأسها، وبعدما سلم نفسه – طوعاً – للشرطة، أخبرهم في المحضر: (بلغني أنَّ خطيبتي كانت على علاقة بشاب، فقتلتها تطهيراً لشرفي!)، هكذا وبكل بساطة وأريحية أزهق روحها في مجتمع يدَّعى أنه يؤمن بالله ويتبع القانون ولا يحكم من دون دليل.

من الجدير بالذكر أنَّ «أسمى خضر» نصرانية، ولكنها تفهم شريعة الإسلام بحكم مهنتها في دولة مسلمة، وكانت وأمثالها من الناشطين في هذا المجال يتحدّون المسلمين المدافعين عن تلك الجرائم بالإسلام، مُطالبين بتطبيق شريعته بدلاً من الجاهلية الأولى.

وقتها خرجت أفكِّر بعمق في الكلام الذي سمعته خلال الندوة محاولاً إستيعاب الأسباب التي يمكن لها أن تدفع إنساناً عاقلاً إلى تفضيل شريعة الغاب على شريعة الله، كيف يمكن أن تُقتل أنثى من دون يقين فقط بمجرد الشك فيها؟ ورسول الله ﷺ قد ردَّ – أكثر من مرة – مَن جاءه مُعترفاً على نفسه بإرتكاب تلك الجريمة؟ مَن أفضل … هم أم رسول الله؟ ولماذا لا يتم قتل الزاني الذكر إن عُرفت هويته؟ لماذا تحمل وزر الجريمة الأنثى فقط؟

في الحقيقة أنا لا أعلم سبب تقديس الجاهلية وتفضيلها على الإسلام، ولكني أعلم أنَّ الله سبحانه وتعالى سيقتص من أولئك المجرمين يوماً ما ومن كل الأقربين والقضاة والقائمين على أمور الرعيَّة الذين تواطؤوا وسهَّلوا تلك الجرائم البشعة من خلال قوانين فاسدة لا تخدم المجتمع بأي شكل من الأشكال، الأمر الذي أخرج لنا نسخة جديدة للإسلام، نسخة مُحرَّفة ومُشوَّهة آذت الأنثى وزرعت في قلبها الوهن وقلة الحيلة، مما أدَّى إلى ضياع قيمتها في مجتمع ذكوري بإمتياز.

طبعاً تفعيل أعراف الجاهلية الأولى فيما يخص قضية الزنا، هو فقط شيء من أشياء كثيرة شوَّهت الإسلام وأظهرته مُعادياً للأنثى، فهناك قضايا أخرى مثل ماهيَّة المرأة والهدف من وجودها وطرق التعامل معها وحقها في الميراث ومنعها من الزواج، والكثير من الأفكار الضالة والضارة التي زُرعَت في عقول ذكور العرب.

هذا الهوس بقضية شرف الأنثى وضرورة حمايته مهما كلَّف الأمر، جعل البعض يخرج عن جادة الصواب لينحرف عن شريعة الإسلام، فشئنا أم أبينا أصبحت هذه الأفعال لصيقة بالإسلام، وأصبح من شبه المستحيل تنقية الإسلام منها، ففي الوقت الذي حدد فيه الإسلام عورات البشر لكلا الجنسين، جعلنا كلمة (عورة) ملصقة فقط بالأنثى وكأنَّ الذكر ليس له عورة، لدرجة أنَّ هناك من جعل من صوتها عورة من خلال أحاديث موضوعة كاذبة ألصقت برسول الإسلام بهتاناً وزوراً.

علمتني الحياة أنه كلما خرجت من منزلي لأختلط بالمجتمع، كلما أدركت حجم الأمور التي أجهلها فيه، وكذلك السفر والخروج خارج ثقافة المكان الذي نحيا فيه، فكلما اختلطت بالأمم والثقافات الأخرى، كلما أدركت مدى النقص الذي يعتري مجتمعنا ويسيطر عليه، فهذه الأمور المُشينة التي ألقيناها على عاتق الأنثى لا نشعر بها خلال وجودنا في المجتمعات العربية، فقد ألفناها وتعودنا أن نراها في القالب السفلي الذي حدده المجتمع لها، وفشلها بالنسبة لنا أصبح أمر طبيعي، بل حتى لا نتوقع منها أن تنجح، فهي في نظرنا كائن خُلق للفشل وتَحمُّل وزر وخطيئة المجتمع الذي تحيا فيه. قد تجد عزيزي القارئ هذا الكلام مُبالغاً فيه، ولكنه ليس كذلك، فهناك الكثير من الذكور على الرغم من تدليلهم لزوجاتهم وإنفاقهم عليهن للحفاظ على جمالهن وأناقتهن، تجد نظرتهم للأنثى وفهمهم لوجودها لا يتعدى القالب السفلي الذي ذكرته آنفاً.

المشكلة أننا عندما نسافر إلى الغرب ونرى المرأة العربية تخلع حجابها بمجرد ركوبها الطائرة وكأنها تنتقم منه، ننظر إليها بإزدراء وإحتقار من دون أن نُكلِّف أنفسنا بالبحث عن السبب، فهذه الأنثى قد أعياها حجم المسؤولية المُلقاة على عاتقها، فقد حمَّلناها مسؤولية الشرف والحفاظ عليه وحدها، وحررنا ذكورنا من تلك المسؤولية تماماً، فمن الطبيعي أن تفجر مَن كُلِّفت بما لا تطيق وبما لم يُكلِّفها به الله، فما هو مُستحب لها … جعلناه فرضاً عليها، وما هو مكروه … جعلناه حراماً عليها، حتى أصبحت هي وحدها محور الفضيلة، لنخرج اليوم من تلك التُرَّهات بدين جديد، لا يمُت لدين محمد بن عبدالله لا من قريب ولا من بعد، فهل يمكن للأب الذي قدَّم إبنته الزانية للعقاب أن يُقدم إبنه الزاني كذلك؟ إن كان الجواب لا … فهذا دينٌ جديد!

لدي رغبة شديدة أن أختم مقالي بكلمات الرائعة لشيخ … إختلفت مع بعض آراءه الفقهية وإتفقت مع بعضها، تلك الكلمات كانت إهداء منه لنساء المسلمين في كتابه المُسمى بـ (الحجاب):

إهداء … إلى الملايين المجهولة عبر الأجيال من الخديجيات والفاطمات والزينبات والعائشات، أرادهن الأسلام شقيقات للرجال، أولياء بعضهم من بعض، يأمرن بالمعروف وينهين عن المنكر، وجعلهن الفقهاء عورات سجينات البيوت مكسورات الجناح محرومات من الحرية والمعرفة والعمل، فعشن مقهورات … ومتن وفي النفس غُصَّة … إعتذار عما جناه الأسلاف ~ جمال البنا.

Leave a Comment

Or

إقرأ التدوينة السابقة:
عظمة أنثى
Close