حين تُضطر إلى النوم

كان يشقُ عليَّ في السابق أن أجد وقتاً مُريحاً للإسترخاء والنوم خلال أيام الأسبوع المزدحمة، ولكن ومع الهبوط الحاد في جودة خطب الجمعة والتغيير الذي طرأ على نمطها، أصبحت لا أتحيَّر ذلك!

فخطبة الجمعة ومع الأسف أصبحت أفضل أوقات الأسبوع للإسترخاء والنوم المريح، حيث تبدأ لحظة الإسترخاء بعد الإنتهاء من قراءة سورة الكهف، وإلقاء الجسد المُنهك من عمل الإسبوع والسهر على جدار المسجد الذي يكاد أن يهوي من كثرة المتكئين عليه، وأجهزة التكييف تحيط بك من كل جانب وحيث تبدأ عينيك بإنزال الدموع من شدة ما فركتها نُعاساً، ومن ثم يأتي صوت غريب… يُشبه صوت أمك التي كانت تقرأ لك قصة قبل النوم، يعلو تارةً وينخفض تارةً أخرى، يروي لك قصصاً جميلة من قصص الأنبياء والصحابة والتابعين بأسلوب يُرديك في سُباتٍ عميق، وبعدما يعلو شخيرك ويوقظك من بجانبك كي تخفض صوتك ولا تفقد وضوئك… تستيقظ فزعاً… يا إلهي… هذه ليست أمي… إنه الإمام يخطب!

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إلى هذه الدرجة وصلت رتابة خطب الجمعة، يقول أحد المصلين: “أصبحت خطبة الجمعة روتينية قاتلة، أعرف ما سيقوله الخطيب قبل أن يبدأ”، وآخر يقول: “في وقت خطبة الجمعة جسدي في المسجد وعقلي خارجه”، وآخر يقول: “لعلي سأجعل صلاة الجمعة كل أسبوعين مرة، فإنها أصبحت لا تعني لي شيئاً سوى النوم”.

لقد إنتهى التواصل بين الخطيب والمصلين وفقدت خطبة الجمعة دورها الروحاني في المجتمع، وأصبحت لا تشكل أي دور مهم في حياة الفرد المسلم سوى الروتين والرتابة، وخطباؤنا رضوا بأن يكونوا جزءاً من هذه الرتابة المملة، فخطبة الجمعة أصبحت لا تتعدى حدود الوظيفة الجامدة بالنسبة للخطيب، لا ينوي منها إلى تأدية عمله، ناهيك عن أنه لا يملك أي مهارات في الخطابة وفنون الإتصال مع المصلين، أضف إلى ذلك تطرقه لمواضيع بعيدة عن الواقع الذي يعيشه المسلم وغير مهمة على الإطلاق، بل إنَّ المواضيع المطروحة ليس لها أي علاقة بما يحدث في العالم من حولنا، فمن أين سيأتي التواصل والتفاعل؟

فالأئمة أصبحوا ضحايا سهر الليالي على الفضائيات وغيرها، ويسهرون حتى الثانية والثالثة فجراً – إلاَّ من رحمَ الله – وفي اليوم التالي يأتي بقصاصات من الورق إقتبسها من أي كتاب وجده أمامه، ويأتي ليسردها على المصلين ولم يكلف نفسه حتى التدرب عليها، فتجده يتلعثم ويُخطىء في قراءتها وكأنه طالب في الصف الأول الإبتدائي لا يُجيد القراءة، لذلك أصبحت المساجد ذات الخطبة الأقصر هي المرغوبة أكثر لدى المصلين.

وظهرت مشاكل أخرى أعظم، حيث أصبح يصطدم الخطيب بحضور مثُـقـف متميز عن الأجيال الفائتة حين كان المسلم لا يعلم ماذا يحدث في العالم الخارجي، في الوقت الذي أصبح فيه الخطباء يُرددون على المنابر ما يُكتب في الإنترنت من شُبهات وما يُطرح عليهم في الجلسات من قصص ملفقة دون أدنى تحري أو تأكد، وفي الحقيقة أنا نفسي تعرضت لموقف مماثل حينما إستمعت لخطبة شيخ جليل أحبه وأقدره يشرح فيها عن مدى الإنحطاط الأخلاقي الذي وصل إليه الغرب والشذوذ الذي يكتنفهم، واستدل على ذلك بقصة رويت له أنَّ المغنية الأمريكية مادونا تزوجت من كلبها! وكيف أنها صرَّحت باللذة الجنسية التي حصلت عليها من هذا الزواج حيث لم يسبق لها أن حصلت على مثلها من أي رجل عرفته في حياتها! قصة لا تنطبق عليها دلالات الصدق لا عقلاً ولا متناً، وتكمن المصيبة في تناقل الناس لهذه الرواية حيث يُصبح الخطيب أضحوكة المجتمع، وأنا شخصياً بحثت عن صحة هذه المعلومة بأكثر من لغتين على الإنترنت ولم أجد لها أثراً ولا مرجعاً على الإطلاق ولا حتى تلميحاً، فهذه الأمور لا تخفى على المجتمع الغربي الذي يتتبع زلاَّت المشاهير ببرامج خاصة ومعروفة لدى القاصي والداني، فلو حصل زواج مادونا من كلبها فعلاً… لضجت به وسائل الإعلام أيما ضجيج… ولكنه غير موجود أصلاً، والمنبر الإسلامي ومع الأسف يتبنى القصص الغير موجودة والمسلمون يُرددونها في جلساتهم ليصبحوا أضحوكة العقلاء، شيءٌ محزن.

مشكلةٌ أن يأتي خطيب ويخاطب الطبيب والمهندس والباحث والمحلل والطيار والمحاسب – طبقات المجتمع المثـقـفة – وهو لا يملك أي نوع من الثقافة العامة ولا حتى أدنى مهارات الترجيح بين الأمور، فقهياً هو مرفوض ولا يصلح للإمامة، فنحن في زمن الثورة المعلوماتية التي لم تترك بيت مَدَرٍ ولا وبر حتى وصلت إليه وغدا العالم قرية صغيرة الكل فيها لديه الثقافة والمعرفة، فمن مصيبة المصائب أن يكون المصلين يفقهون ويعلمون أكثر من الخطيب، بل يصل التفوق حتى إلى الأمور الشرعية، فبعض الخطباء لا يتورعون في نقل أحاديث موضوعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قصص كاذبة ليس لها أصل بغرض إيصال فكرة هو يراها مهمة.

هذه الطرق لن توصلهم إلى أي نهاية حميدة، وهم مسئولون أمام الله عز وجل يوم القيامة، وحتى لو أنهم تعاملوا مع إمامة الجمعة على أنها وظيفة فعليهم إتقانها وتأديتها على أكمل وجه، يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: (( إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه )) صحيح الجامع للألباني 1880.

والشاهد أني في مرحلة التسويق لمنتجات المنشأة التي أعمل بها، أبذل قصار جهدي كي أقنع العملاء بالشراء، ويبتعثني مديري لدورات تدريبية متخصصة في هذا المجال حتى تزيد إحتمالات النجاح، أليس حرياًّ بوزارة الشؤون الدينية في البلدان الإسلامية أن تقوم بمثل هذا الدور في توعية وتدريب منتسبيها؟ أليس حرياًّ بها أن تقتدي بمنشئات القطاع الخاص؟ لابد للخطباء من إتقان ما يلي:

  1. الكتابة والتلخيص
  2. الخطابة والإلقاء
  3. التواصل مع المصلين
  4. أصول البحث والتحري
  5. الثقافة العامة والعلوم الحياتية

لابد أن تكون المهارات المذكورة إلزامية كحد أدنى لقبول الخطيب، فأنا أدعو خطبائنا الكرام ومسئوليهم بأن يتقوا الله سبحانه وتعالى بالمسلمين، فلابد أن يشعر الخطباء بالمسئولية المٌلقاة على عاتقهم، فهم ورثة منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم مرجع المسلمين ومحط أنظار المجتمع.

أشد ما أخشى على خطبة الجمعة أن تُصلى عليها صلاة الجنازة وتطوى صفحتها وتصبح ماضياً مجيداً نقرأه كما نقرأ تاريخ عمر بن الخطاب وصلاح الدين رضي الله عنهم، ويكتفي المسلمون بصلاة الظهر عِوَضاً عنها، مترحمين على زمانٍ كانت فيه الجُمَعُ قائمة، ونروي لأحفادنا كيف كنا نجتمع في مسجد واحد ويؤمنا إمام واحد… وأحفادنا لا يصدقوننا.

4 thoughts on “حين تُضطر إلى النوم

  1. أخي الكريم قوت القلوب أنا وضحت وجه نظري و لا يحتاج الموضوع أخذو رد أكثر لكن أحببت أن أبين لك أنه لا تجزم بأنه عندي لبس بين العلماء و الدعاة و لا تجزم بأنه غاب عن ذهني شئ حيث كلامي و واضح أنه للموضوع السابق أرجو قرآءة التليق مرة ثانية بدون تصلب و انتصار لرأيك حيث أن الاخلاف لا يفسد للود قضية و الاختلاف أمر ينم عن ثقافة و حضارة المهم عند الاختلاف نعرف كيف نبقى أخوة و نحترم بعض بالرد و النقاش
    تحياتي

  2. الأخ القارئ الكريم ابو عبد الرحمن
    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته…
    لو كان الحديث يتعلق بعلماء و دعاة الأمه، فنعم أؤيد ما تدعو إليه من أننا يجب أن نعمل أكثر على طرح الحلول و على تطوير أنفسنا، لربما كنا عونا لهؤلاء العلماء أو لغيرنا من المسلمين.
    بيد أنه من الواضح حصول لبس عليك بين منابر الدعاة و منابر الخطباء.
    فالمقال أعلاه تناول حصراً خطباء الجمع و لم يتطرق إلى العلماء و الدعاة.إن علماءنا و دعاتنا و لله الحمد نعم الكوادر و هناك أسماء لامعه رضي الله عنهم و سدد خطاهم، لمع نجمهم و للأسف ليس على منابر الجمع لكن من خلال الفضائيات و الندوات و الكتابات . نسال الله العلي القدير لهم السداد و التوفيق و الحمايه لأنه و للأسف من لمع نجمه في خطب الجمعه كان للسجن نصيب منه .
    لكن هل غاب عن ذهنك أنه بالنسبة للخطباء فإنه يتم إنتقاؤهم و توظيفهم من قبل وزارات الأوقاف و الشؤون الإسلاميه في بلداننا و الممثله بدورها للحكومات و بالتالي كما ذكرتُ آنفاً فإن المطلوب منهم هو توفير الجو الهادئ و المريح للسبات الأسبوعي كدور مكمل لما يقومون به من إشغال المواطن العربي بهمّ لقمة العيش و السكن و ما إلى ذلك من مشاغل الحياه و بالتالي تخدير الشعوب و إلهاؤهم عن مصائب حكوماتهم و مصائب امتهم.
    غريب أن يغيب عن ذهن من يحمل همّ الاسلام و المسلمين أمر كهذا واضح وضوح الشمس. و لك جزيل الشكر.

  3. لا يعني تعليقي على الموضوع مخالفة الكاتب أو المعلق الأخ قوت القلوب بل على العكس الموضوع جميل جدا و نحن بحاجه له و التعليق رائع و من باب المشاركة في النقاش أحببت أن أذكر ما يلي :
    1- هل المشكلة في كلام الخطيب و محتوى الخطبة أو المشكلة بطريقة الإلقاء و الضعف فيها.
    2- هل يستقيم الحال اذا تكلم الخطيب في أمور حساسة سياسية او إقصادية و تنتهي المشكلة .
    3- أو ليس الجميل أن نحاول أن نطرح حلول لأي مشكلة نراها حتى لا يكون شعورنا بإنتهاء المسؤلية بمجرد الطرح لها .
    4- هل تعتقد أخي القارئ أننا بحاجه إلى خطب حماسية تنتهي بإنتهاء الخطبة هذا يشبع نهمك و يكون الخطيب مبدعا.
    5- إلا ترى أن من رحمة الخطيب فيك ان لا يخطب لك بأكثر مما يخطب لأنه من علم وجب عليه العمل فهل أنت جاهز للعمل.
    6- هل تصورت أن تعمل من أجل أن تكون ذلك الخطيب الذي لا يلام أو ينتقد أو إكتفينا بأن نبين غيرنا ضعيف و نحن الأقوياء بالنقد و الطرح
    7- هل فكرت بينك و بينك نفسك و تخيلت أنك الخطيب المراد له الكلام و الخطب الرنانة و تذكرت دنياك و ما فيها ثم قلت لو أني مكانه هل سأترك ما أنا فيها من أجل خطبه مجملها و مفهومها عند أغلب الناس ممعروفة
    و الله أعلم

  4. الاخ الكاتب الفاضل
    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته…
    جمبل جدا ما تدعو اليه من تدريب و تحضير الكوادر البشريه من خطباء و علماء بصفتهم مسؤولين عن تعليم و نشر الدين الااسلامي بأساسياته و قواعده و تمكينه في قلوب المسلمين
    لكن الا تعتقد ان ما نراه اليوم و ما انتشر بين خطباء المسلمين من سطحية و قشورية هو ما يريده و ما خطط له و للاسف حكام المسلمين و حكوماتهم
    الا تعتقد ان المطلوب من هؤلاء الخطباء هو ابقاء خطبهم بهذا المستوى و الهاء المسلمين عن الاوضاع السائده من حولهم بأمور و احكام يفترض بطفل الابتدائي معرفتها
    اقول و للاسف ان المطلوب من قبل الخطباء هو توفير جو مناسب و هادئ للنوم ليس فقط اثناء الخطبه بل و على مدار الاسبوع و حتى موعد الجمعه التالي . برأيي أن خطبائنا قد ابدعو في اداء واجبهم و ايصال رسالتهم على اكمل وجه فما الحاجه للتدريب و التأهيل .

Leave a Comment

Or

إقرأ التدوينة السابقة:
إذا لم يكن الآن… فمتى؟
Close