إذا لم يكن الآن… فمتى؟

كلما أتبحَّـر في حال أمتنا العربية أزداد حيرةً وتيهاً، فحالتها غريبة منقطعة النظير لا تجد لها مثيلاً في العالم بأسره على مر التاريخ، إذ كيف يمكن لأمة تمتلك موارد الدنيا كلها على الإطلاق وبدون أي إستثناء أن تكون في قاع محيط الأمم التي لا تمتلك تلك الموارد؟ بل كيف يمكن لأمة لها أمجاد وحضارة عريقة أن تكون في مستنقع الأمم الراكدة؟ كيف؟ هذا شيء منافٍ للعقل والمنطق.

مسألة محيِّـرة لم أجد لها تعليلاً علمياً يوافق المنطق السليم، إنَّ ما يحدث لأمتنا عجيب ويحتاج إلى دراسة وبحث، فلو إستعرضنا بعض ما يتميز به الوطن العربي من موارد وثروات ستفهم عزيزي القارئ سبب حيرتي ودهشتي، فالعرب يمتلكون:

  1. الدستور: تمتلك الأمة العربية الدستور الحكيم والمنهج القويم المتمثل في كتاب الله العزيز القرآن الكريم وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، هذا الدستور الذي يُرشدهم إلى التعامل بحكمة مع أصغر حدث إلى أكبر حدث في الحياة والدولة، إذ أنهم لم يُتركوا هكذا كالإبل الشاردة في الصحاري لا تهتدي السبيل.
  2. الحضارة: الأمة العربية صاحبة حضارة عريقة وقيم أصيلة، فالعرب ليسوا لُقطاء أو مرتزقة لا يمتلكون حضارة أو مجد، فإنجازات الأجداد على جميع الأصعدة خلال الـ1400 سنة المنصرمة شاهدةٌ على حضارة العرب والمسلمين في شتى المجالات.
  3. الموارد الطبيعية: تمتلك الأمة العربية موارد طبيعية منقطعة النظير من نفط وغاز وفوسفات ومواد خام ومعادن وزراعة… إلخ، غمر الله بها أراضيهم ليُعزهم ويغنيهم، نِعَمٌ كثيرةٌ لا تُعد ولا تُحصى والأهم من ذلك كله هو أن الحياة أصبحت لا تسير بدونها، فهي أساس الحضارة الحديثة والمدنية الجديدة.
  4. الموارد البشرية: يمتاز الوطن العربي بموارد بشرية وكفاءات علمية متميِّـزة وخبرات عالية، للأسف فأن هذه الكفاءات لم تبرز إلا بعدما هاجرت إلى الدول الغربية وإندمجت في الأنظمة المتقدمة والتي أنتجت بدورها العلماء والمتخصصين الذين لا يستغني عنهم الغرب أبداً.
  5. الجغرافيا: تقع البلدان العربية في مواقع جغرافية غاية في الأهمية، فهم في وسط العالم يُديرون النقاط الحساسة من معابر ومضائق وبحار، كمضيق هرمز في سلطنة عُمان ومضيق باب المندب في اليمن وقناة السويس في مصر ومضيق جبل طارق في المغرب بما فيها الأجواء المفتوحة للتحليق، فلو أراد العرب فصل العالم الشرقي عن الغربي وبالعكس لاستطاعوا وبكل سهولة إغلاق المعابر البحرية والأجواء الجوية، فهم نقطة الإلتقاء الأهم في العالم.
  6. المناخ: تنعم الدول العربية بمناخ جيد معتدل في أغلب أيام السنة مما يساعد على إستمرارية العمل والإنتاج، فبعض بقاع الأرض مثل المدن الشمالية في الدول الإسكندنافية تعيش لمدة 6 أشهر في نهارٍ مستمر والـ 6 الباقية في ظلامٍ مستمر، وبعض البقاع الأخرى مثل سيبيريا في روسيا الفدرالية تعيش في تجمد وإنخفاض مرعب لدرجات حرارة تصل إلى دون الـ 50 درجة مئوية، وأخرى مثل بريطانيا لا ترى ضوء الشمس إلا شهراً في السنة، لدرجة أن قانون العمل البريطاني يُجيز ترك العمل والخروج إلى الشارع في حال أشرقت الشمس ليتسنى للمواطنين الإستفادة من أشعتها وتحسين النفسية التي يتخللها الإكتئاب المزمن بسبب الغيوم المستمرة، أضف إلى ذلك أن المناخ العربي خالٍ من الأعاصير التي أرهقت الأمريكيتين الشمالية والجنوبية وشرق آسيا وكبدتهم الخسائر الفادحة.
  7. الجيولوجيا: تتمتع الدول العربية بجيولوجيا هادئة مستقرة، فهي ليست محط الزلازل كما في اليابان والبراكين كما في أمريكا اللاتينية، فهي تنعم بإستقرار جيولوجي وبيئي عظيمين قلما تجدهما في مناطق أخرى في العالم.

ولعل هنالك نقاط أخرى عزيزي القارئ تستطيع أنت أن تحصيها وتضيفها، ولكن المفارقة العجيبة هنا هو أن كل العيوب الموجودة عند غير العرب لم تعيق عجلة التقدم والإزدهار كما حدث في اليابان والولايات المتحدة مثلاً، وأمتنا العربية ذليلة مع كل هذه الأسلحة، عجيبةٌ أنت يا أمتي!

بقي هذا التعجب ملازماً لي إلى أن تحدثت إلى أحد الأصدقاء من أيام قليلة وتناقشت معه في بعض القضايا المماثلة وأجابني جواباً سمعته لأول مرة في حياتي، الحقيقة هذ الجواب أثر فيَّ أيما تأثير ألا وهو أنَّ العرب دائماً يوكلون أمورهم إلى أهل الثقة وليس لإلى أهل الخبرة، فالأمر يكمن في النمط العربي القديم الأزل الذي يجعل الكلمة للثقة بدلاً من الخبرة، وهذا الأمر المهم الذي أودى بموارد الأمة العربية إلى الهلاك وأودى بها نفسها إلى الحضيض، وهذه المعضلة لا تنحصر فقط في إدارة الدولة… أبداً… بل تراها جليَّة في إدارة المنشئات العامة والخاصة، الكل يحشد من حوله من يثق به لا من يستحق أن توكل إليه المهمة، فتأتي الخسارة تلو الخسارة إلى أن نصبح نحن على الرصيف.

لقد كان من سياسات رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكيمة دائماً أن يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وبعد توفيق الله له وتأييده نجح رسول الله بهذه السياسة في بناء أعظم دولة عرفتها البشرية، والتي بدورها فتحت نصف الدنيا في نصف قرن دون أن يكون لها الموارد التي نمتلكها اليوم، كان حكيماً صلى الله عليه وسلم في توكيل الأمور لأصحابها والمتخصصين فيها، وأمور الدولة والمصلحة العامة مُقـدَّمة على أموره الشخصية والخاصة، فعندما شعر بقرب منيته عليه الصلاة والسلام ألمح بالخلافة لأبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه عندما أمره بإمامة المسلمين في مرضه ولم يوكلها لابن عمه علي أو عمّه العباس رضوان الله عليهم أجمعين، كان يرى في أبو بكر الرجل المناسب لقيادة الدولة من بعده وكان ذلك.

ولعل من أهم الأمثال الحديثة التي يُحتذى بها هو حاكم ولاية كاليفورنيا الأمريكية “آرنولد شوارتزينيجر” الذي نجح في إدارته للولاية إقتصادياً وسياسياً وهو لا يفقه شيئاً لا في الإدارة ولا في الإقتصاد ولا في السياسة، وخلفيته رياضية مقرونة بالسينما والتمثيل، ولكن المراقبين في مراكز الأبحاث الأمريكية ذكروا أن آرنولد نجح باستقطاب أكبر المستشارين في تخصصات الدولة المختلفة وأعرقهم خبرة وأكثرهم معرفة ليقوموا بتوجيهه وإرشاده في أمور الحكم، ونجح فريقه في هذه المهمة، لاحظ أنه لم يقم بتعيين إخوانه وأفراد عائلته وأصحابه من نجوم السينما ليحموا مُلكه ويُعينوه على جمع المال العام، هذه مسألة غاية في الأهمية.

والسؤال الآن هو كالتالي: “إذا لم يكن الآن… فمتى؟ وإذا لم نكن نحن… فمن؟”، إذا لم يكن الآن هو الوقت المناسب لنا لنلعب الدور الأساسي في قيادة العالم وإصلاحه مع كل هذه النِعَم التي أنعمها الله علينا… فمتى يأتي الوقت المناسب؟ وإذا لم نكن نحن الأمة التي أوكلها الله عز وجل لخلافته في الأرض وتسيير أمور البشرية… فمن هو المناسب يا ترى؟

أذكر كلمة قالها رئيس الولايات المتحدة “جورج بوش” بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي: “نحن وجدنا مكان قيادة العالم شاغراً، فتقدمنا إليه”.

عزيزي القارئ، أنا لا أُحـبِّـذ دائماً إستخدام نظرية المؤامرة لشرح الحال العربي المُزري وتبرئة أنفسنا، نعم هنالك مؤامرة ونحن أمةٌ مُخترقة، ولكن هذه المؤامرة ما كانت لتُحاك وهذا الإختراق ما كان ليحدث لولا الخلل الذي نعيش فيه، أنا أفضِّـل أن أبحث عن الخلل الذي فينا وأصلحه بدلاً من محاربة المختَرِقين، فأكون بذلك أصلحت العطب من جذوره الذي سيلفظ المتآمرين من بيننا، لابد من أن نبدأ بأنفسنا قبل مواجهة المختَرِقين، لأننا حتى إن قمنا بمواجهتهم وانتصرنا وتركنا الخلل… ستعود المؤامرة من جديد.

وقبل الختام، هل فكَّر يوماً أحد ماذا سيكون مصيرنا إن إستمرينا على نفس وتيرة العيش؟ كيف سيكون حالنا إذا نضبت هذه الموارد؟ ماذا سيكون حال العرب وقتها؟ أترك لك عزيزي القارئ الجواب والتعليق، إبدأ بنفسك وبمن لك عليه سلطة من أسرة وموظفين وغيرهم، وتعلم كيف توكل إليهم الأمور التي يطيقون ويحسنون إنجازها حتى تزدهر وتُطاع.

1 thought on “إذا لم يكن الآن… فمتى؟

  1. ما شاء الله. نعم المقال مقالك. للأمام إن شاء الله. أنصحك بنشره في المنتديات.

Leave a Comment

Or

إقرأ التدوينة السابقة:
الأمن الوظيفي، كيف يكون؟
Close